نشرت وكالة الأنباء الكويتية «كونا» تصريحات لمحمد جاسم الصقر، رئيس البرلمان العربي دعا فيها إلى تشكيل وفد نيابي عربي للتدخل لدى جميع الأطراف المتخاصمة في سوريا ولبنان في محاولة لحل القضايا العالقة بينهما، مشيراً إلى ضرورة تحقيق قضايا المصالحات والاستقرار السياسي والأمني داخل الدول.

وما يدور في خاطر رئيس البرلمان العربي هو الاستفادة من القوة المعنوية للبرلمان العربي للإسهام في جهود الوفاق والتهدئة، وهذا مشروع كبير معقد لكنه حيوي وضروري إذا أراد العالم العربي التخلص من الفوضى ومن الأوهام وأبدى الإصرار على اللحاق بالعصرنة.

ومع تقديرنا للنوايا الحسنة، تبقى المشكلة العويصة التي يعاني منها البرلمان العربي، وهي مشكلة تتعلق بالمرجعية وبالتشكيل، فالشرعية التي يريدها البرلمان لا تتوفر في حجم يقنع الشعوب العربية، لا بالمرجعية ولا بالتشكيل، خاصة أن العالم على علم بالتركيبة التي يتألف منها البرلمان العربي، وهي مجموعة جاءت من برلمانات معينة حزبية وهيئات استشارية، وضعها في داخل دولها مهزوز في أغلب الأحيان.

ومع كل ذلك فالتفكير بوجود مجموعة لها صدقية تتحرك لتقديم المشورة والنصح وتعمل مع القيادات في بعض الدول لتصويب سياستها أمر يستحق الاهتمام، ومن زمان ونحن نقول إن ميثاق الجامعة العربية يسمح بل يرحب بجهود أصحاب النوايا الطيبة ويشجع على دعم نشاط الجامعة لتجاوز الاختناق السياسي داخل الدول.

وأقترح في هذا الصدد أن يتم التحرك من أجل التعامل، وبصراحة وبقوة، مع بؤر التوتر داخل العالم العربي، لكي لا يتحول الاحتقان إلى انفجار ويؤدي إلى صدام مع الأسرة العالمية، وبدلا من حصر اهتمام البرلمان العربي في الشأن اللبناني ـ السوري، نأمل أن تكون المهمة لقضايا أبعد وأخطر فيها الكثير من الشحن والعصبية، ولنأخذ بعض المسارات التي ندعو خلالها وبإلحاح إلى الاستماع إلى الصوت العاقل والحكيم.

أولا: لا يمكن إبعاد جهود البرلمان العربي عن القاعدة التي تتحرك وفقها، ومنها الجامعة العربية التي تستهدي بالمبادئ العالية التي يرتكز عليها الميثاق، ومشكلة الجامعة أنها لا تجد قاعدة عربية تتشكل من الدول الأعضاء وتدفعها للتحرك لنزع الحرائق قبل اشتعالها، ولنأخذ الوضع في دارفور وهو وضع مهما حاولت تخفيف الوصف فيه، يظل مأساوياً، لكن كل ذلك لا يبرر وقفة الحياد وعدم الاهتمام واللامبالاة التي لم تحرك المؤسسات العربية سواء الحاكمة أو غيرها للاهتمام بالوضع في السودان.

وتبقى حاجة الجامعة العربية ملحة لإيجاد دعم لها سواء من البرلمان العربي أو من مجموعة من الدول لتقول وبصوت عال إن المأساة مدمرة للسودان، لكن السودان عليه الاستماع إلى القول الراشد، وأبرز ما يحتاجه النصيحة ليتجنب الانزلاق تجاه صدام مع الأسرة العالمية، ومن حق الرئيس البشير أن يصر على حق السودان في الموافقة على وصول قوات من الأمم المتحدة،

وهذا من المسلمات، فلا يمكن لقوة دولة أن تعمل دون موافقة الحكومة المضيفة، غير أن الأسلوب والحالة العصبية والتهديدية التي يتعامل بها السودان لا تساعد على حل المشكلة، وكما نعلم، فإن الأمم المتحدة تتابع وترصد وتعلن عن حقائق الوضع، وآخر ذلك ما جاء في حديث السكرتير العام للأمم المتحدة حول الهجمات على مخيمات اللاجئين، بصرف النظر عمن يقوم بها، فهو أمر لا يريح الحكم في السودان.

وعلى الصعيد الدولي، وكردة فعل للغضب الرئاسي في السودان يشير مسؤول أميركي في واشنطن الى أن واشنطن تحاول وضع خطة دولية من أجل دارفور تستخدم الحوافز لا العقوبات لإقناع السودان بقبول نشر قوات للأمم المتحدة لحفظ السلام، وهي خطة ليست فيها عقوبات وإنما فيها مساهمة لتجاوز المأساة ولا أعتقد بأن هناك قبولاً عالمياً لرأي الفريق البشير بأن قوات الأمم المتحدة ستترك واقعاً مثل التحالف في العراق.

ثانياً: دور المؤسسات العربية ومنها الجامعة العربية التي يجب دعم جهودها من أجل أن يرتفع صوتها في تقديم المشورة العقلانية، لأن الحماقات القومية والثرثرة الثورية دمرت العلاقات العربية ودمرت بعض الدول التي أشغلت مواطنيها بالتحريض ضد العمل الراشد،

ولا يسمح المجال باستذكار لائحة التدمير العربية، وإنما العيب والخجل في أن نرى دولا أوروبية بعيدة، ومؤسسات مالية عالمية تتحرك بمشاعر نحو علاج الوضع في دارفور، في أرض عربية مسلمة، تستنفر الجهود في الدول المسيحية لتخفيف التوتر، بينما يتابع العرب والمسلمون الصراخ الثوري دون قول ودون تصريح عاقل يفيد السودان.

والمطلوب أن تتحرك المؤسسات مثل الجامعة العربية وبرلمانها ودولها لدعم القول الناصح بالعلاج المقبول والممكن، فالسودان بحاجة إلى من يرشده وليس إلى من يصطف معه، والمشاركة عربية في هذه الجهود العالمية أمر حيوي، لاسيما من صوت الجامعة وكذلك من صوت الدول المحيطة بالسودان مثل مصر وليبيا.

والسودان لا يحتاج إلى استنفار قومي عربي تلقائي، يحتاج إلى القول الخير والبناء، فهناك اختلاف داخل المنبر السوداني السياسي حول الموضوع، وليس فقط من المعارضين، وإنما في أوساط الحكومة السودانية سواء من جبهة الجنوب أو من أحزاب تقليدية معروفة.

ثالثاً: يدعو السودان إلى لقاء كبير في الأسبوع المقبل حول بيئة الاستثمار فيه، وحول التعريف بالفلسفة الاقتصادية السودانية، ويسعى إلى الاهتمام الخليجي بهذا اللقاء، ومع تقديرنا لهذه الخطوات، تظل ناقصة ومحدودة، ما لم يصبح اللقاء دولياً تشارك فيه المؤسسات المالية العالمية وأصحاب المال والخبرة والقرار،

ولا يتم ذلك في هذه الظروف التي تشحن فيها المشاعر ضد المؤسسات الغربية في لغة استفزازية حول الاستعمار الجديد والامبريالية المتسترة، فالسودان بلد له ثقافة سياسية هادئة وعاقلة، ولا يجب أن تستمر دبلوماسية السودان مسكونة بالخوف من الأشباح والعفاريت، فالحكم مسؤولية والعقل هو محركها، والهدوء أسلوبها والبناء وسيلتها، والصداقات رصيدها والتحرر من الأشباح علاجها.

رابعاً: ربما من المفيد أن نستذكر حاجة السلطة الفلسطينية وبالذات حركة حماس إلى شيء من الذي توصي به مؤسسة البرلمان العربي، ومن ورائها الجامعة، للنظر بجدية في إظهار الغيرة على مستقبل الشعب الفلسطيني الذي تأذى من اليأس ويعيش مع قيادة غير مؤهلة للانضمام للتوافق العالمي حول قواعد العملية السلمية،

فالمشكلة ليست في علاقات لبنانية ـ سورية وإنما في نهج أيديولوجي عدمي ومؤذ، يتحرك لتقليص نجاح العقلانية ويعمل على حصار الحكم الراشد الذي نراه في الموروث الذي يحميه محمود عباس (أبومازن) ويلجأ هذا النهج إلى ترديد شعار الالتزام بالثوابت، ويعني الرضا بالجماديات، بينما الحالة تتحرك في اتجاه آخر، ويعاني من ذلك كله شعب فلسطين الصابر والمتضرر.

ماذا يمكن أن تقدم الجامعة أو برلمانها لمعالجة هذا الوضع؟

خامساً: هل يمكن أن تلعب الجامعة دور الموجه المجرب عبر النشاط والجهود النشطة المستقلة عن اعتبارات التآخي والدعم العربي وتوفير الحماية المعنوية والسياسية للدولة العضو، وهنا ليس المطلوب سحب الغطاء أيضاً، فكلنا نعرف الحدود أو القيود، ولكننا نعترض على الدعم التلقائي والتعاضدي الاستنفاري في قضايا حرب وسلم، فيها أمن أوطان وسلامة سكان،

ونقول ان شعب السودان ليس بحاجة إلى المؤازرة الخجولة في أروقة الجامعة، فالحاجة هنا نحو ربط المواقف ببعضها نحو التعاون والتهادن مع الأسرة العالمية، والتصريح بأن القرار 1706 هو مرآة للضيق من السلوك السوداني الرسمي، وعندما نقول ذلك يفرح الجميع لأهل السودان، ويتحرك البرلمان العربي، الذي يتحدث عنه رئيسه محمد جاسم الصقر، معتمداً على قاعدة معنوية وغطاء سياسي يمنحه القيمة.

نرى أبومازن ينفد صبره وقد يصيبه العياء ويرحل، وما دام هناك مجال ندعو الجامعة لاتخاذ موقف واضح ومريح بدعم أبومازن، ويدعو إسماعيل هنية ومنظمته إلى التوافق مع الثوابت التي تقوم عليها مسيرة السلام، ولا توجد ثوابت غيرها، أما تلك التي يتحدث عنها إسماعيل هنية فهي ثوابت ستدخل الشعب الفلسطيني المناضل بآخر نفق في اليأس من الحياة.

كاتب كويتي

Abdullah_bishara@yahoo.coom