تعود هذه الأيام أشباح التمرد العنيف الذي هز ضواحي المدن الفرنسية منذ عام إلى تصدر وسائل الإعلام وجداول أعمال الحكومات في الاتحاد الأوروبي، لأن ظاهرة الانحراف لدى المراهقين تتجاوز فرنسا لتشمل بأشكال ودرجات مختلفة كل البلدان الأوروبية ولتطرح أسئلة محورية مهمة على الضمائر.
فالمجتمعات الأوروبية التي نعيش فيها وولد ونشأ فيها أولادنا هي مجتمعات ديمقراطية وحية لا تقابل فيها السلطات مظاهر العنف والانحراف بالعصا الأمنية المطلقة ولا بالإجراءات القمعية كما تأمل الحركات العنصرية، ولكن من حسن حظنا باحوار والتشاور والتناصح وتشكيل لجان التفكير والتحليل في البلديات والجامعات ومراكز البحوث الاجتماعية.
والحقيقة التي يجب ألا نخفيها أو نتستر عليها هي أن أكثرية المورطين في عمليات الاعتداء بالحرق والإتلاف للممتلكات العامة هم مع الأسف من أبناء الجيل الثالث من المهاجرين من أصول مغاربية وافريقية، ومن غير الراشدين وفي بعض الأحيان من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم من 15 إلى 20 عاما.
ولا بد من الإشارة إلى تفاقم أزمة الأمن في المجتمعات الأوروبية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 والتي تشعبت تداعياتها المتلاحقة في الحرب الغربية على العراق والاعتداءات الوحشية الإسرائيلية اليومية على شعب فلسطين واغتيال مناضلين بحجم الشيخ أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي وقتل الشهيد الطفل محمد جمال الدرة أمام الكاميرات وتدمير المدن العراقية والفلسطينية ومشاهد التعذيب في أبو غريب، ثم الصور الفاجعة للحرب الإسرائيلية على لبنان وحرب حلف الناتو على أفغانستان.
كل هذه المشاهد الدولية أصبحت بفضل الفضائيات تدخل البيوت وتكتسح الضمائر وتهز الوجدان، وتفعل فعلها في طرح أسئلة الهوية والظلم والعلاقات بين الأمم على عقول الشباب المسلم في المدن الأوروبية، وهو يشعر بأنه مضطهد محشور في محتشدات المساكن الشعبية التي تشبه المداجن ومعرض للتمييز كلما طالب بحقه في العمل وكسب الرزق.
أضف إلى هذه العوامل ما يقع في المجتمعات الأوروبية من تخبط في التعاطي مع قضايا الإدماج الثقافي والاجتماعي لهذا الشباب في المجتمعات الأوروبية التي تحمل منظومة قيم مسيحية حتى لو رفعت لواء العلمانية التي تبقى بلا محتوى فعلي كلما عطلها المتشددون اليمينيون النافذون في أغلب شرائح المجتمع الأوروبي، والذين يتنظمون في أحزاب شرعية ومعترف بها تفوز في مختلف الانتخابات بنسب متفاوتة لكنها تدور حول معدل 15 %.
وفي فرنسا، رغم أولوية الحوار الوطني الدائر فيها حول الهجرة والعنف، فإن نسبة المهاجرين فيها تبقى أقل من ألمانيا وأسبانيا وايطاليا وهولندة، لكن طبيعة العلاقات الفرنسية العربية والتي صنعها التاريخ المشترك تعطي لفرنسا بالذات خصوصية فريدة وتحملها في نظر الأوروبيين مسؤولية الريادة.
ففرنسا هي التي فتح جنوبها المسلمون مع أسبانيا ومن فرنسا انطلقت الحملات الصليبية وفرنسا كانت صاحبة أول عمل استعماري حين قام نابليون بحملته على مصر عام 1798 ثم احتلت الجزائر عام 1830، والتصق تاريخها الحديث أيضا بالعالم العربي حين شاركت في العدوان الثلاثي على مصر ونحن نحيي ذكرى ذلك العدوان هذه الأيام بعد نصف قرن،
ثم ان فرنسا هي التي جهزت إسرائيل بالمفاعل النووي وبالسلاح النووي، وارتبطت بقضايا الشرق الأوسط ارتباطا وثيقا وهي التي تحملت تبعات الإمبراطورية الفرنسية حين استقلت الشعوب العربية والإفريقية من الاستعمار فلم تفلح الدول المستقلة في تحقيق التنمية ولا الدولة العادلة ذات المؤسسات مما جعل الهجرة إلى فرنسا وأوروبا حلم شرائح واسعة من الشباب في المغرب العربي وافريقيا.
و لا يشك المحللون النزهاء اليوم في أن الحكومات المتعاقبة في باريس من يمين ويسار لم تفلح في توفير أسباب الحياة الكريمة لمهاجريها ولا حتى لأولئك الذين قاتلوا ضمن جيوشها في الحرب العالمية الأخيرة وحرروها من الاحتلال النازي. فنشأت الضواحي المحتشدات تأوي ملايين المهمشين والمبعدين عن الرفاه،
ولكن الجيل الثالث المتشكل من أحفاد المهاجرين الأوائل أصبحوا يتفاعلون مع هوياتهم ويشاهدون الفضائيات العربية ويلتجؤون إلى خصوصيات ثقافية قادت بعضا منهم إلى التوجه للعراق وفلسطين للجهاد، بعد أن انغلقت في وجوههم أبواب الاندماج الايجابي في المجتمعات الأوروبية.
وأقصى بل وأقسى مؤشرات هذه القطيعة تجسدت في أعمال إرهابية بمدريد ولندن نفذها شباب مسلم مغرر بهم اعتقدوا عن جهل بأن ضرب المجتمعات الآمنة التي يعيشون في كنفها هو من باب الجهاد ضد المعتدين على شعب العراق وفلسطين وأفغانستان، في حين أن المدنيين الغربيين من أكثر الشعوب تأييدا للحق ونزل الملايين منهم في مظاهرات تندد بالحروب الجائرة.
وتبقى ظاهرة العنف المجاني والأعمى في ضواحي المدن الفرنسية هذه الأيام ظاهرة منحصرة في أقلية من المنحرفين بالمقارنة مع النجاحات المهنية والرياضية والفنية والثقافية التي حققها عدد متزايد من شباب الجيل الثالث من المغاربيين والأفارقة والذين منهم نجوم معروفون ومحترمون مثل اللاعب زين الدين زيدان والممثل جمال دبوز والكاتب الطاهر بن جلون.
و لكن الذي يؤلم هو التوظيف السياسي لمظاهر العنف حيث يستغل العنصريون اليمينيون وأنصار التطرف الصهيوني مثل هذه الممارسات لينفذوا سياسات تهدف إلى إقصاء العرب والمسلمين من دوائر التأثير والقرار في أوروبا بينما العرب والمسلمون يشكلون جزءا من هوية أوروبا ومستقبلها.
كاتب تونسي
alqadidi@hotmail.com