استرعى انتباهي حوار دار بين إحدى زميلاتي في القسم وطالبة من طالباتها، كانت الطالبة تشتكي شكوى غير مباشرة من صعوبة المادة، وتتساءل بشيء من التعجب قائلة: دكتورة، لماذا ندرس هذه الأشياء؟ نحن لن نحتاج إليها في عملنا؟ أنا سأعمل في النهاية معلمة في رياض الأطفال، وفي الرياض لا نعلم الأطفال إلا أشياء بسيطة جداً مثل: باء باب.

وهكذا حاولت زميلتي أن تتمالك نفسها، وأن تردّ على الطالبة بهدوء مبيّنة لها أنّ الأمور لا تقاس بهذا الشكل التعسفي الذي ينبئ عن خلل كبير في التصوّر. ولكني ـ رغم محاولتي عدم التدخل بينهما ـ وجدت نفسي أسأل الطالبة: هل يعني كلامك أنك يجب أن تدرسي في الجامعة ما ستدرّسينه للأطفال في الرياض: باء باب، وتاء تفاحة؟ فقط لا أكثر ولا أقلّ! ابتسمت الطالبة على استحياء، وحاولت أن تشرح لنا قصدها متمسكة بوجهة نظر نفعية، تقيس العلم والمعرفة قياس الفائدة المادية في السوق.

وحين غادرت الطالبة دار بيني وبين زميلتي حديث أثار الكثير من الشجون، لقد أصبح الإنسان يشعر بالغربة الحقيقية في وسط يُسرف إسرافاً غير مبَرَّر في الجري الأعمى وراء متطلبات سوق العمل بحيث غدت الجامعات مؤسسات تجعل جُلّ همها تخريج دفعات متتابعة من الموظفين لسدّ حاجة السوق. وهي التي ينظر إليها في كل المجتمعات على أنها منارات العلم، ومنابع الإبداع والابتكار، ومحاضن الثقافة الواسعة الممتدة بكل تجلياتها وأشكالها.

وهذا لا يعني أنْ نتجاهل احتياجات سوق العمل، ولا أنْ نعزل المؤسسات الجامعية عن مجتمعاتها بحيث تغدو منقطعة عن متطلبات هذه المجتمعات وفق كل مرحلة من مراحل تطورها المستمرّ. فلا شكّ أن التواصل بين مؤسسات التعليم العالي ومؤسسات المجتمع المختلفة أمر ضروري وحتمي لا ينكره أحد. ولكنّ القضية التي أشير إليها هنا هي في القناعات التي أصبح كثير من طلابنا يتبناها ويدافع عنها عن اقتناع كامل؛ فالسواد الأعظم من هؤلاء الطلاب لا يرى في العلم إلا وسيلة لنيل الشهادة والحصول على وظيفة تؤمن له حياته ومستقبله.

وهذا مطلب مشروع لا غضاضة فيه ولا جدال، ولكن أن يصبح هذا المطلب هو غاية الأمر، والمنتهى الذي تقف عنده الطموحات والأحلام فإن الأمر ـ لا شكّ ـ يحزن القلب ويجعل الحديث عن أجيال تقدس العلم والمعرفة، وتجهد في تكوين ثقافتها الشخصية، وتتطلع نحو التميّز في التفكير والتحصيل، أشبه بالتحليق في عالم الأحلام المنقطع عن الواقع.

ولعلّ مثل هذه القناعات هي التي تفسّر لنا سلوك الكثير من أبنائنا من طلاب الجامعات، فكثير من هؤلاء يلجأ ـ بلا شعور بالذنب أو الخجل ـ إلى مكاتب تتاجر في العلم، لتقوم عنه بمهمات البحث العلمي التي يفترض بها أن تكون أعلى مهمات الطالب الجامعي وأهمها على الإطلاق.

وهذا يصدق على عدد من الطلبة الذين يدرسون في الخارج؛ فقد أخبرتني صديقة لي تدرس في استراليا أنّ هناك ما يشبه التصور العام عند الاستراليين عن طلبة الخليج بأنهم مصدر جيد للمال، لأنهم يبحثون دائماً عمن ينجز لهم أبحاثهم وتكليفاتهم في مقابل مئات الدولارات التي تكفيهم عناء العمل ومشقة البحث والقراءة.

بل إنني سمعت عن مواقع على شبكة الإنترنت تتكفل بكتابة البحوث «باللغة الإنجليزية» في كل مجالات العلوم ـ خاصة العلوم التطبيقية ـ وترسلها إلى «العميل» بالبريد الإلكتروني، بعد أن يكون هذا قد دفع لها قيمة البحث ببطاقة الائتمان. قد يبدو الحديث عن تقديس العلم، وحب المعرفة،

والرغبة الحقيقية في تثقيف الذات، وعدم الاكتفاء بالمقررات التي أصبحت ـ مع الوقت ـ هزيلة سطحية خالية من الأسئلة التي تثير في عقل المتعلم فضول المعرفة، وتحرك فيه شعور الحاجة إلى الاستزادة منها بالقراءة الحرّة التي لا تتقيّد بالدرجات ومتطلبات وظيفة المستقبل ـ قد يبدو هذا الحديث غير واقعي، فنحن الآن في عصر يختلف اختلافاً كبيراً عن زمن مضى، كان ينظر فيه إلى العلم على أنه غاية في ذاته،

وإلى طالب العلم على أنه شخص ينظر إليه نظرة إكبار وإجلال، وإلى الجامعة أو المدرسة على أنها مكان يحظى بالتقدير والتقديس. إننا الآن في زمن التفكير العملي الذي يدرس جدوى كلّ شيء، كبيراً كان أم صغيراً. ودراسة الجدوى في لغة هذا العصر تعني معرفة الفائدة المادية ـ بالدرجة الأولى ـ من كل مشروع أو خطوة يخطوها المرء في حياته.

السؤال عن الفائدة أصبح هاجساً عامّاً. وأقصد هنا الفائدة الملموسة المباشرة التي يستطيع الإنسان أن يرى لها وجوداً مادياً في حياته، وأن تنعكس عليه انعكاساً يستطيع أن يقيسه بمقاييس النظام العالمي الجديد، الذي تأسس على مبدأ النفعية البحتة، والاستفادة السريعة المقولبة في قوالب السوق والربح، بعيداً عن التشكيل الأخلاقي للذات الإنسانية والتاريخ الإنساني.

ولكنّ هذا السؤال لا يتسع في تصوّر الكثيرين منّا ليشمل الفائدة ذات المردود الأبعد والأعمق في المجتمع، الفائدة التي تستشرف المستقبل، وتتأسس على الاحتياجات الوطنية الكبيرة التي تتطلع إلى أنْ يمتلك المجتمع أسباب تقدمه وقوّته الاقتصادية امتلاكاً لا يعتمد فيه على الآخر، ولا تقوم على تصوّر أنّ التقدم العلمي، والتطور التكنولوجي، والتأسيس الثقافي المتين الراسخ يمكن له أن يرى النور في فضاء يتعامل مع العلم والمعرفة على أنهما أدوات للحصول على وظيفة مطلوبة في سوق العمل.

إنّ مثل هذه التصورات التي أصبح كثير منّا مقتنعاً بها، يصرّح بها ويدافع عنها، ويضع على هدي منها خططه وأهدافه تهدر جانباً كبيراً من مواهب الشباب، ومن قدراتهم، وكفاءاتهم، وتئد في نفوسهم الإحساس الجميل بقدسية العلم والمعرفة وأثرهما الممتد في القلب والعقل،

وتحصر فضاءهم في أفق ضيّق جداً، لا يتجاوز الشهادة والوظيفة والراتب. أما الافتتان بالثقافة، والتعلق بالمعرفة، وتقدير البحث والعلم من منطلق أنهما أساس لا غنى عنهما في الحياة، وحاجة ضرورية لا يمكن المضيّ من دون التزود بهما، فإنّ ذلك يكاد يكون ذكرى من زمن مضى.

جامعة الإمارات