قبل عدة شهور من الآن بدأت جلسات محاكمة صدام حسين وستة من كبار المسؤولين في الجيش وحزب البعث الحاكم ومجلس قيادة الثورة التي حُلت جميعاً عقب الاحتلال الأنجلو ـ أميركي للعراق في التاسع من أبريل 2003. تمثل قضية الأنفال المحور الرئيسي الحديث للقضية الكردية حيث القيادات الكردية السياسية تحاول استغلالها سياسياً وإعلامياً في النأي بنفسها والشعب الكردي عن العراق الموحد أرضاً وشعباً، أقاليم ومحافظات.

استمعت المحكمة حتى الآن إلى أكثر من ستين مشتكياً جلّهم من القرويين الأكراد العراقيين الذين كما يبدو اختيروا بعناية لتمثيل القضية حسب الفهم السياسي والاجتماعي والديمغرافي الذي يدور في رؤوس القيادات الكردية المتمثلة بشكل رئيسي في حزبي الاتحاد الوطني والديمقراطي بزعامة جلال الطالباني ومسعود البارزاني، على التوالي.

سارت أمور المحاكمة على نحو هادئ مع أول قاضٍ، عبدالله العامري، في الجلسات الأُوَل والذي أبدى احتراماً سلوكياً مميزاً لطرفي النزاع الشرس في القضية. لم ترق حالة التناغم أو النعومة! بين القاضي العامري وبين الموجودين في قفص الاتهام لكثيرين من أعضاء الحكومة ومجلس النواب العراقيين الذين اتهموا القاضي بالتعامل بليونة غير لائقة مع المتهمين بارتكاب جرائم حرب وإبادة عرقية مشينة. قصمت القشة ظهر البعير عندما قال القاضي العامري لصدّام حسين بصريح عبارته «أنت لم تكن دكتاتوراً»، عن قناعة أو عن خطأ في التعبير!؛

حينها طلبت الحكومة العراقية برئاسة الدكتور نوري المالكي وأعضاء في البرلمان استبدال القاضي. طُلب من القاضي محمد العريبي الخليفة الأكثر شباباً من سابقه أن يترأس المحكمة والذي بدأ عمله بانتهاج صرامة غير عادية نحو صدّام حسين ومن معه ومنها استخدامه لصريح العبارة لصدّام حسين حين خاطبه قائلاً: «لا ترفع صوتك هنا، أنت الآن متهم وأنا الآن قاضٍ».

اتهمت هيئة الدفاع عن صدّام حسين برئاسة المحامي خليل الدليمي، اتهمت القاضي بأنه عين لتنفيذ حكم معد مسبقاً ضد موكليهم وقاطعت الهيئة معظم جلسات المحكمة فيما بعد، إلا من حضور رمزي أخيراً وللمطالبة بتحقيق مجموعة من الشروط تنسف المحاكمة من الأساس إن تمت تلبيتها.

قامت المحكمة بانتداب محامٍ أو اثنين للدفاع عن كافة المتهمين مع عدم وجود تعاون أو حتى اتصال بين المتهمين في القضية والمحامين المنتدبين من المحكمة. استمرت أوضاع المحاكمة بالتردي إلى ما دون الحد الأدنى من القبول العام وسط تزايد الشكوك حول مصداقية وشرعية وقانونية وحتى منطقية استمرار المحاكمة في هكذا معايير، محلية كانت أم دولية.

في غالبية جلسات المحاكمة بات هنالك فريقان ممثلان بالمتهمين القابعين في القفص الحديدي من جهة والمشتكين أو المدعين بالحق الشخصي ومعهم محاموهم ورئاسة المحكمة وهيئة الادعاء العام، بشكل أو بآخر، من الجهة الأخرى. يغيب عن جلسات المحاكمة محامو الدفاع الذين تطوعوا للدفاع عن المتهمين.

يدعي كافة المشتكين أن عمليات الأنفال جريمة إبادة جماعية عرقية ضد جماعة الأكراد بالذات، في حين يزعم المتهمون أن الأنفال ما هي إلا عمليات عسكرية صرفة مبنية على تقارير استخباراتية عسكرية عن توغل إيراني في شمال العراق بتواطؤ سافر وتعاون وثيق مع قوات البشمرغة وهي ميليشيات تابعة للأحزاب السياسية الكردية.

الظروف الأمنية غير مواتية على الإطلاق لإجراء محاكمات خاصة في ذلك المستوى في كافة أنحاء العراق، حتى في المنطقة الخضراء التي تتمتع بوجود عسكري وأمني أميركي كثيف. اغتيل عدة محامين ممن تطوعوا للدفاع عن صدّام حسين ورفاقه.

لم ينج أقارب المتهمين وأعضاء هيئة المحكمة من الاغتيال ومنهم شقيق المتهم صابر الدوري، رئيس جهاز المخابرات العسكرية السابق، وشقيقة القاضي العُريبي وزوجها وابنها كما اغتيل شقيق المدعي العام في المحاكمة «منقذ آل فرعون». معظم محامي الدفاع مقيمون في أماكن سرية خارج دولة العراق، وظروف عملهم غاية في الصعوبة والخطورة في قضية تتطلب قدراً غير عادي من الجهد والمغامرة على الحياة.

قضية الأنفال مزيج بين الشقين السياسي الأمني والقانوني الجنائي. يصر القاضي العُريبي والادعاء العام ومحامو الحق الشخصي للمشتكين على توخي الشق القانوني في القضية والذي ينصب على إثبات ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية، في حين أعلنت هيئة الدفاع والمتهمون ومنذ البداية أن القضية برمتها سياسية ناجمة عن الصراع بين التمرد الكردي المسلح (أو البشمرغة) في الشمال وتعاونه الوطيد مع إيران أثناء تلك الحرب الضروس.

في مثل هذا النوع من التضاد والتشابك والتجاذب الفكري والسياسي المحتدم بين المشتكين والخصوم، وفي ظل ظروف أمنية بالغة التعقيد، بات على هيئة المحكمة أن تتصرف بشكل غاية في الحذر والدقة في القول والفعل والذهاب والإياب وحتى في إيماءات العيون وحركات أطراف الجسم!، ومع طرفي القضية على حد سواء.

وإذا ما دخلت الحسابات الدولية والسياسية والظروف الأمنية الداخلية والأوضاع الانتخابية في الولايات المتحدة في سير أعمال المحاكمة يصبح وضع محكمة قضية الأنفال مزرياً لدرجة غير قابلة للتحمل. في ذلك تواجه قوات الاحتلال الأنجلو-أميركي وضعاً أمنياً ونفسياً متدهوراً وذلك يخلق مبرراً مقنعاً للإدارة الأميركية لاتخاذ ما تراه مناسباً لها من مواقف وقرارات بغض النظر عن العواقب على الأرض، في سبيل الاحتفاظ بالحد الأدنى من ماء الوجه في محاولتها الخروج من المستنقع العراقي.

الخوض في قضية الأنفال معقد وذو شجون وأشجان كثيرة. هنالك مئات بل آلاف الوثائق الخاصة بعمليات الأنفال والتي تكشف ظروف حدوث فاجعة أو كارثة إنسانية ضخمة من ذلك النوع على المستوى الإثني والسياسي والوطني والقومي العرقي والإنساني الدولي.

من تلك الوثائق كل طرف من طرفي القضية يحاول التركيز على ما يفيد أهدافه ومآربه وما يضر بالآخر. لكن ضخامة ودقة وجسامة حوادث وتداعيات عمليات الأنفال تجعل من المتعذر على محكمة محدودة القدرة من مثل المحكمة التي يرأسها القاضي العُريبي من الاستمرار فيها إلا من باب توخي العبثية واستجابة لرغبة سياسية أو شخصية من هنا أو هناك.

وصل الوضع في قاعة محكمة الأنفال إلى درجة غير مسبوقة أو متوقعة من الجمود والسكون والسكوت غير المرضي عنه لقضية بتلك الضخامة والتعقيد. قاضٍ منتدب من الحكومة التي تمثل الخصوم السياسيين للمتهمين يحاول جل جهده المضي قدماً حتى النهاية وبأقصى سرعة ممكنة لإصدار حكم في القضية، بغض النظر عن مستوى الأداء في التعامل الموضوعي مع كافة جوانب ووجوه القضية، أو الحد الأدنى منها.

عن جلسات المحاكمة يغيب محامو دفاع المتهمين وينوب عنهم محامون لا يتصلون بالمتهمين لا بشكل مباشر أو غير مباشر. متهمون يقضون جل، إن لم نقل كل، وقت المحاكمة جالسين لا ينبسون ببنت شفة، اللهم إلا لطلب إذن للسماح لأحدهم بالذهاب إلى غرفة الحمّام. أخيراً

وليس آخراً مشتكون ومشتكيات جلهم من الأميين والأميّات والكبار في السن وأعضاء في قوات البشمرغة، لم يستطيعوا الصمود كثيراً حتى أمام أسئلة وملاحظات وتعليقات الادعاء العام «المخففة» والتي فيها يتخذ جانب المشتكين بشكل واضح، ولا أمام أسئلة أحياناً تُطرح من القاضي المنتدب أو أسئلة من المحامين المنتدبين عنوة للدفاع عن المتهمين.

استحدثت قضية الأنفال عدداً لا بأس به من المفردات اللغوية المشتقة من كلمة «أنفال» والتي لم تكن في جلّها معروفة لدى عامة الناس قبل بدء سلسلة جلسات المحاكمة. من كلمة أنفال استُخرجت أفعال من مثل أنفَلَ ويُأنفلُ وأنفلَت وتأنفلَت ومؤنفلون ومؤنفلات والذين أُنفلوا واللواتي أُنفلْن وغيرها الكثيرات من المفردات، في مجملها كلمات قاسية وعنيفة ومشينة وغير محبذة بل مؤذية للنفس ومزعجة عند تكرارها أو استعمال أي منها.

هذا على الجانب اللغوي، إذا جاز التعبير، لكن ومن باب لعل وعسى أن تسير أمور محكمة قضية الأنفال في طريق يُرضي كافة أطراف القضية والمعنيين بإصلاح ورفعة الشأن العراقي وأن يساهم حل قضية الأنفال في خدمة مصلحة العراق العليا شعباً ووحدة أراض ودولة قانون وتطبيق نظام.

جامعة الإمارات