لدى افتتاح المحكمة الأولى لمحاكمة رئيس العراق سابقاً صدام حسين قال رئيس الوزراء آنذاك إبراهيم الجعفري إن حكومته أرادت أن تبرهن للعالم أن القضاء العراقي قضاء مستقل، ولا ندري إن كان الجعفري نسي في تلك اللحظة أن البلاد نفسها لم تكن مستقلة إذ كانت مسلوبة السيادة تحت احتلال أجنبي نشأ عن عدوان عسكري من الخارج، تأسيساً على هذه الحقيقة لن تحتاج أن تكون خبيراً في القانون الدولي لتدرك أن محاكمة صدام ليس لها أي حظ من الشرعية القانونية.

رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي يبدو بدوره أيضاً وكأنه نسي الحالة الاحتلالية التي عصفت باستقلال بلاده. ففي سياق تعليقه المطول لتبرير حكم الإعدام الذي صدر بحق الرئيس السابق و«شرعية» المحاكمة لم يعد يستذكر فيما يبدو أنه يتكلم من «المنطقة الخضراء» في بغداد تحت ظل العلم الأميركي ومن أمامه وخلفه ويمينه ويساره جنود أميركيون يقومون بدور الحراسة.

من أولها لآخرها كانت محاكمة صدام عملاً مسرحياً جاهزاً من إعداد الولايات المتحدة، وابتداء فإن قرار إنشاء «المحكمة الجنائية العليا» صدر عن الحاكم الأميركي السابق للعراق بول بريمر الذي عينته السلطة الاحتلالية الأميركية فور عملية الغزو، ووفقاً للسيناريو الموضوع كان صدام ولا يزال معتقلاً في سجن أميركي، وإذا كان القضاة والمدعون عراقيين فإنهم كانوا يمثلون مجرد واجهة لا أكثر، فالعمل الذي كان يجري وراء ستار من حيث إعداد ملفات التحقيق وتحديد مسار المحاكمة بصورة عامة كان يتولى أمره خبراء أميركيون.

وخلال تنفيذ السيناريو أجريت عليه تعديلات بما يتلاءم أكثر مع الأجندة السياسية الأميركية، فبناء على نص قرار إنشاء المحاكمة الذي أصدره بريمر كان من بين الاتهامات الموجهة إلى الرئيس السابق لتنظر فيها المحكمة الجرائم التي من المفترض أنه ارتكبها خلال الحرب العراقية الإيرانية خلال عقد الثمانينات، لكن أثناء المحاكمة سحبت هذه التهمة الخطيرة. فقد استدرك رجال الإدارة الأميركية أنه لو سمح للمحكمة بمتابعتها فإن تداعياتها سوف تطال الولايات المتحدة نفسها.

فقد كانت أميركا تحت ولاية الرئيس رونالد ريغان تدعم عراق صدام طوال سني الحرب.وقد جرى توثيق هذا الدعم بصورة رسمية أثناء زيارة سرية لبغداد قام بها دونالد رامسفيلد مبعوث الرئيس ريغان (وزير الدفاع حالياً) حيث التقى مع الرئيس صدام.بالطبع، لا يصح الدفاع عن صدام حسين ونظامه. فقد كان استبدادياً دموياً بالغ القسوة، لكن في هذا الصدد تبرز تساؤلات موضوعية.

أولاً: هل كان صدام الحاكم الاستبدادي الأوحد في العالم العربي أم أنه استحق العقاب الأميركي لأنه أخذ يتبنى سياسة عدوانية متشددة ضد الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين تتضمن تمويل فصائل المقاومة؟

ثانياً: إذا كان القتل الجماعي في عهد صدام كان يحسب بآحاد الألوف، فماذا عن القتل الجماعي في عهد الاحتلال الأميركي الراهن الذي يحسب بمئات الألوف، نحو 650 ألفاً بناء على بحث ميداني أجرته جامعة جون هوبكنز الأميركية؟

والسؤال الأخير بالطبع هو: إلى متى يبقى العراق تحت احتلال أجنبي؟