في أقل من 24 ساعة تأرجح بارومتر تشكيل الحكومة الفلسطينية العتيدة، بين البارد والساخن؛ عدة مرات وبفواصل زمنية، لا تتعدى الساعات. التسريبات الأولى، مهدت الأجواء للخبر السعيد. وضعت الناس بانتظار إعلان اتفاق، يتم وضع اللمسات الأخيرة عليه. تأخر الإعلان وطالت الاجتماعات. ثم عادت التباشير الايجابية تتحدث عن ولادة «خلال ساعات للمولود الموعود».

التطمينات أشارت إلى أن التوافق حصل أيضاً حول اسم رئيس الوزراء؛ لكن الكشف عنه لن يحصل إلا لحظة صدور البيان المشترك. انقضت ساعات ولم يصدر أي شئ. ومن جديد عاد الملف إلى طاولة المباحثات وعادت المراوحة لتتحكم وتستبد بالعملية. هل استعجلوا في زف البشرى؟ هل بالغوا في تصوير ما تحقق؛ أم أن عقبات طارئة نشأت، من خارج الحسابات؟

كيفما كانت الحال، ترك هذا التذبذب شحنة من الإحباط؛ كان الشارع الفلسطيني، كما العربي، بغنى عنها. فهو عنده مخزون هائل منه. كذلك هو ـ الشعب الفلسطيني ـ يعيش أقسى معاناته، هذه الأيام: الحصار الجائر عليه يزيد من شد الخناق حول عموم أوضاعه؛ العدوان الإسرائيلي المنفلت ضده، خاصة في غزة، يفاقم أحواله ونزفه، بالجرائم التي يرتكبها ضد المدنيين

وذلك أمام بصر العالم الغارق بالصمت والتفرج على مسرح الجريمة، من غير أن يحرك ساكناً. ناهيك بالصمت الأميركي الذي يوفر المظلة لإسرائيل كي تواصل عدوانها وتتمادى به. وسط هذا الوضع القاتم، بدأت تتوالى الأخبار الطيبة، ليل أول من أمس، حول الحكومة التي من شأنها أن تنهي الأزمة الفلسطينية وكان من الطبيعي أن يترك ذلك بوادر حالة من الاسترخاء وتنفس الصعداء، وبالتالي الاستبشار بشيء من الفرج القريب.

وفجأة بدا وكأن الأمور عادت إلى المربّع الأول. فعلى الرغم من «التقدم الذي تحقق»؛ ما زالت هناك خلافات حول «برنامج» الحكومة و«هوية» أعضائها والضمانات لفك الحصار وإطلاق الأسرى، فضلاً عن «توزيع التمثيل» في التركيبة الحكومية إذا صحّت هذه المعلومات، على أي أساس إذاً جرى ما يشبه التهليل، لاتفاق يزيل الغمّ عن الصدور؟ ثم ما الذي يقف فعلاً في وجه وطريق هذا الانجاز ـ الحاجة الذي ينتظره الوضع الفلسطيني بفارغ الصبر؟

لا ينكر أحد أن الساحة الفلسطينية مأزومة إلى أقصى الحدود، كما لا ينتظر أحد أن يجري تفكيك الخلافات وسدّ الفجوات الفلسطينية بسهولة بين ليلة وضحاها. فهي قديمة، وعميقة وخلفياتها معقدة؛ الأمر الذي أدى إلى تفاقم أزمة الثقة بين أطرافها المعروفة. لكن المعروف أيضاً والمسلّم به أن للظروف أحكاما وأن بالتالي للحوار سقفا، تفرضه هذه الظروف؛ التي تكوي بنارها كل القوى وعموم الشعب الفلسطيني، الذي يلحّ على قياداته بضرورة تجاوز خلافاتها ومشاكلها.

لقد مضت أكثر من ثمانية أشهر على الأزمة العاصفة بالساحة والتي كادت أحياناً أن تؤدي إلى انهيارات، لطالما تمناها العدو الإسرائيلي. والآن بعد كل ما شهدته تلك الأشهر العجاف من خلافات ومن انكشاف ساهم في تسهيل الاستباحة الإسرائيلية؛ جاءت اللحظة التي يتوجب فيها على القوى الفلسطينية الإسراع في طي صفحة هذا الماراثون والانتقال إلى مواجهة ما هو أخطر وأولى بالاهتمام.