صدام حسين قضية القضايا في حكمه وسجنه ومحاكماته، لأنه يجسد الشخصية العراقية التاريخية والحديثة، ومع أن الشعب الشقيق يتمتع بخصال نادرة بالكرم، والوفاء، والعفة، إلا أنه في حالات السباق على الحكم، شهد تاريخه محناً، وقتالاً، وعذاباً انعكس على الأغنية، والابتهالات كحزن عام متوارث، وخلفه عنف أقرب إلى سلوك القبيلة منه للمتعلم والمثقف.

الذي يهمنا أن محاكمة صدام تترك العديد من الأسئلة، تغيير القضاة وطرد المحامين، ثم الأهم من ذلك كله، هل قضية الدجيل التي ذُبح بها عدد من الأبرياء يعدون بالعشرات أقوى من حلبجة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف بالموت المباشر، أو لواحقه في انتشار مخلفات الأسلحة الكيماوية، أم أنها أخطر من ضحايا الحرب العبثية التي كلفت الشعب العراقي والإيراني معاً المليارات وخلفت آلاف الضحايا، والتي وصلت آثارها إلى إفلاس خزائن الدول الخليجية، وبالنهاية جلبت الاحتلال، ومآسيه التي لن يتعافى منها العراق؟.

الاعتقاد العام أن تجنب محاكمته على الجرائم الأكبر، سيفتح الأبواب على نشر وثائق محرم كشفها ونشرها، والتي قد تظهر مع غيابه عن الحياة، وبالتالي لن تكون لها الفاعلية في مرحلة التنازع على محاكمة عصر كامل بساسته، ومؤيديه، ومن تعامل معهم من قوى الداخل والخارج.

الاستنتاج الآخر أن صدام لن يكون ضحية، بل جرائمه مشهورة لكن التعجيل بإصدار الحكم على قضية تعد الأصغر بين جرائمه، ومعها تُطوى بقية الملفات والشهود، يعني أن صفقات تمت بين جبهات داخلية عراقية، وبين أميركا، والخلاف هنا ليس على شرعية المحكمة من عدمها، وإنما بطي صفحة صدام الذي هو النافذة على أسرار أحداث الثلاثين عاماً، التي قضاها في الحكم والتي ربما تطال دولاً كبرى، مثلما قيل إن سفيرة أميركا في العراق هي من أشارت عليه بغزو الكويت ليقع في مصيدة رد الفعل الذي أهان جيش العراق وشعبه بتلك المهزلة.

ثم لماذا، وقبل النطق بالحكم بأيام يأتي كبير العاملين مدير الاستخبارات الأميركية القومية (جون نيغروبونتي)، ثم قبل هذه الزيارة المفاجئة يأتي مستشار الأمن القومي الأميركي "ستيفن هادلي"، وتعلن السلطات العراقية حالة الطوارئ في خمس محافظات تشكل ما يقارب خمسة ملايين عراقي محسوبين على صدام، أو من يتعاطفون معه قبل النطق بالحكم؟.

إذا كانت هذه الشواهد تحيّر، ولا تخترق أسرار كل ما جرى في سير المحاكمة، والأحكام، فإن العراق، بشكله الديموقراطي لعبة يديرها الاحتلال بمواصفات مصالحه، لا مصالح الشعب ولا القضية التي أدت إلى غزو بلد يتمتع بالأهلية القانونية كأي بلد آخر..

العديد من القضايا ستفتح مختلف الأبواب، وكل ما نخشاه، وليس تعاطفاً مع صدام، أن يمثل عناصر من السلطة الراهنة ومعهم القضاة، أمام محكمة أخرى تأتي بنفس الأسباب التي جلبت صدام وتطال الاتهامات قوى أخرى لنشهد مسلسلاً أقرب للخيال في بلد المفاجآت..