في الأسبوع الماضي، مرت الذكرى الثانية لرحيل والد الإمارات المغفور له بإذنه تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمة الله عليه. ورغم رحيله وغيابه عنا، إلا أن ذكراه العطرة ومآثره العديدة ما زالت ماثلة للعيان في كل مكان تقريباً، حتى أن كثيرين من مواطني دولة الإمارات ما زالوا يرونه شاخصاً أمامهم في كل أثر خالد أنجزه، وما أكثر هذه الآثار. لقد كان حضور الفقيد أشبه بحضور النجم الساطع على مداخل المستشفيات والأبراج والطرقات والغابات الخضراء التي تشهد على عظمته.

في الحقيقة إن ما قام به والد الجميع سواء في مجال التعليم أم الصحة أم الاقتصاد، يصنف ضمن الإنجازات الإستراتيجية الهامة، إلا أن أبرز إنجازاته هو المحافظة على كيان الدولة الاتحادية التي عاشت في منطقة تعتبر بؤرة للتوتر منذ عدة قرون سواء أكان ذلك لموقعها الإستراتيجي أم لعوامل اقتصادية، وخاصة بعد ما تم اكتشاف الثروة النفطية.

لقد بقيت السياسات المتوازنة للإمارات، سواء على المستوى المحلي أم الإقليمي أم العالمي، العامل الأهم في الاستقرار وسيادة الأمن والمساواة وساعدت على عملية النمو بشكل ملفت للنظر. وعلى الرغم من قصر الفترة التي انصرمت منذ قيام الدولة الاتحادية، إلا أن الإنجازات التي تحققت خلالها تؤكد على أن مرحلة الانطلاقة وما تلاها من مراحل كانت صحيحة، وذلك لأن الرؤية التي تبنتها القيادة حينذاك كانت تتمحور حول تحقيق رفاهية الإنسان، وأن الوطن بحاجة إلى العمل الجاد من الجميع، وهذا ما كان يؤكد عليه فقيد الوطن الغالي في جميع المناسبات.

لقد كان زايد نموذجاً للقيادة التي تعتمد على رؤية موضوعية للواقع، فمن خلال زياراته الميدانية لمواقع العمل في كل الظروف، رغم المعوقات التي أكانت ذاتية أحياناً وموضوعية في أحيان أخرى، استطاع أن يرسم نهجاً إسترتيجياً واقعياً لدولة الإمارات العربية المتحدة.

وهذا النهج متبع لدى العديد من القيادات السياسية في الدولة، فالمرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم كان حريصاً كما كان الشيخ زايد على مثل تلك الزيارات( وهي سنة حميدة)، حيث كانت تلك الزيارات تمكنهما من أن يراقبا كل ما يجري بشكل يومي، مما ساعدهما في اتخاذ القرارات السليمة، وفي نفس الوقت يعطي القيادة صورة شمولية عما يجري هنا وهناك، سواء أكان ذلك في المجال الاقتصادي أم السياسي أم الاجتماعي.

ومن هنا فإن القيادة في دولة الإمارات العربية المتحدة قريبة جداً من هموم الوطن والمواطنين وتدرك ما يحتاجه سكان هذه الدولة سواء أكانوا من المواطنين أم الوافدين إليها طلبا للعيش بسلام، والاستفادة من الظروف الآمنة في هذا المجتمع. ومن هنا يرى الكثيرون أن دولة الإمارات هي جنة الله على الأرض، ومع أن التطورات الدولية في الفترة الأخيرة التي تتسم بظهور الرأسمالية المتوحشة في ظل العولمة لا تسمح لنموذج عربي ذي بعد إنساني بالظهور.

إلا أن تجربة الإمارات تشكل خرقاً واضحاً لذلك. إن الذكرى الثانية لرحيل القائد تؤكد على أن التلاحم بين القيادة والقاعدة أمر مهم جداً، وهي تؤكد على صلابة الوضع الداخلي، وعلى الرغم من كل التعقيدات التي واجهت التجربة الاتحادية فإنها أكدت على أهمية أن تكون عملية النمو وتوفير الحياة الكريمة، هي الطريقة الأمثل في تسيير شؤون منطقة تعتبر مركزاً هاماً من مراكز التنمية في ظل المتغيرات الدولية.

إن ما نشاهده في هذه الأيام من تطورات في شتى المجالات، ما هو إلا التأكيد على استمرارية النهج الذي تأسست عليه هذه الدولة. إلا أن الدورة الجديدة من الحياة السياسية تتطلب المزيد من العمل، ضمن رؤية جديدة، رؤية العالم الجديد بعيداً عما كان سائداً في مرحلة المؤسسين، وفي مرحلة جديدة من العقد الاجتماعي، في ظل تزايد عدد المؤهلين من المواطنين، حسب القانون، وحسب التغيرات التي حدثت في المجتمع على مدى العقود الثلاثة الماضية.

لم يعد من المقبول التعامل مع معطيات الماضي الجميل، مع أهمية هذه المعطيات ونتائجها الكبيرة، بمنطلق استسلامي لحقائقه، فلقد برز جيل جديد، سواء على المستوى القيادي أم على المستوى الشعبي له رؤية جديدة أكثر توافقاً مع روح العصر ومتطلباته. ففي مرحلة الدولة، وهي تختلف عن مرحلة القبيلة، مرحلة جديدة من تطور المجتمع، كان قد أدركها المؤسس القائد حينما أكد على أهمية الوطن والعمل من أجل تطويره ودفعه خطوات إلى الأمام، لقد كرر الوالد القائد عبارة الوطن والعمل، وهو الذي أدرك منذ البداية أن الوطن يحتاج إلى العمل الجاد، وأن الإنسان من دون عمل أو إنتاج يعتبر أحد معوقات العمل الوطني، فإلى متى نظل نتعامل مع الواقع الجديد بعقلية ترفض التطور؟، وإلا لماذا دعا زعيم الأمة إلى الاهتمام بدور المرأة في الحياة العامة.

لقد كان تعيين وزيرة في الحكومة الاتحادية من أهم القرارات التي اتخذها القائد في حياته، وذلك في آخر حكومة أعلنت أيام المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وهي خطوة تقدمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إن على المرأة الإماراتية أن تحافظ على هذه المكتسبات وأن تعمل بكل طاقاتها في هذه الأيام التي تخوض فيها معترك العمل السياسي من خلال عملية انتخاب المجلس الوطني الاتحادي، وألا تترك المجال مفتوحاً للقوى التي لا تريد لها إلا أن تقبع في المنزل أن تنتصر على إرادتها، وإن على الجمعيات النسائية وجمعيات النفع العام أن تسهم في رفع صوت المرأة عالياً.

إن المرحلة القادمة تعتبر حجر الزاوية في بناء مستقبل المشاركة السياسية، فالمجلس القادم ما هو إلا مجلس تأسيسي، سيقوم بمراجعة الدستور، بحيث يكون المرشد للحياة السياسية، وكذلك لنواحي الحياة المختلفة، فالمجلس القادم سيعيد النظر بالعقد الاجتماعي، بما يحقق التقدم والرقي للمواطنين بشكل عام.

وإن على القوى الاجتماعية المختلفة ألا تتردد في دعم هذه الخطوة الجديدة الساعية لحياة جديدة في ظل مرحلة المواطنة بما لها من حقوق وما عليها من واجبات. وإن الوفاء لذكرى هذا الزعيم الخالد تكون بالتأكيد في المحافظة على نهجه الذي رأى في المرأة بعدا إنسانياً منتجاً وقادراً على المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

رئيس قسم الدراسات ـ «البيان»

malmutawa@albayan.ae