عادت القوى اللبنانية أمس إلى الطاولة المستديرة في ذات المكان، مبنى البرلمان، الذي سبق وانعقدت فيه جلسات «الحوار» على مدى أشهر؛ والتي كان آخرها في يونيو الماضي، كذلك التقت حولها الوجوه ذاتها؛ باستثناء السيد حسن نصرالله، أمين عام حزب الله، لاعتبارات أمنية والذي تمثل بشخصيات قيادية من حزبه. الجديد هذه المرة أن اللقاء يحصل تحت عنوان «التشاور» وليس «الحوار» كما كانت الجولات السابقة، قبل الحرب. ثم أيضاً هو يحصل تحت سقف زمني محدد خلافاً لمؤتمر «الحوار»، لا يتعدى الأسبوع.
وأخيراً، في هذا الجديد، إن «التشاور كان قد تقرر أن يحصل على أساس أجندة من بندين: «حكومة وحدة وطنية» و«قانون انتخابات جديد». والمعروف أن «المتشاورين» اليوم كانوا المتحاورين بالأمس وعلى امتداد عدة جلسات امتدت بين مارس ويونيو الماضيين، وتوصلوا إلى توافقات مبدئية حول عدة قضايا كانت موضع تباين بينهم وكان من المقرر أن يتواصل «الحوار»، لولا الحرب.
وذلك بحد ذاته، في ضوء ظروف لبنان والمنطقة، كان بمثابة المكسب. من جهة هو يؤكد، باستمراره على أهمية التحاور كخيار لا بديل عنه، أمام اللبنانيين، ومن جهة ثانية، نجح في ترحيل الاحتقان ـ أو على الأقل تجميده ـ من الشارع إلى الطاولة. وهو أيضاً مكسب لا بأس به، نظراً للأجواء السائدة في البلد، جراء أزمته التي انفتحت في فبراير سنة2005 مع اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وكان ذلك أمراً مشجعاً، لاسيما وأن المباحثات التي شهدتها الجلسات العديدة تلك.
جرت بهدوء ومن دون توتر؛ بالرغم من مركزية وحساسية المواضيع والقضايا التي أثيرت وعمق الخلافات بشأنها. صحيح أنها لم تتمخض عن تجاوز حاسم للملفات؛ لكنها تركت الانطباع بأن المتحاورين يواصلون المهمة تحت مظلة القناعة بأنهم محكومون بالحوار.
اليوم، الظروف ضاغطة أكثر من فترة «الحوار» السابقة. العدوان الإسرائيلي وما تسبب به وما أدى إليه، خلق معطيات جديدة، زادت من حدة الأزمة. الاستقطاب السياسي بلغ أقصى مداه، الأجواء ملبدة أكثر من أي وقت مضى. ومرت لحظات بدا فيها الانسداد التام وكأنه سيد الموقف. إلى أن طلع رئيس المجلس، نبيه بري، بمبادرة «التشاور» فجاءت في وقتها اللازم. ولو لشراء فسحة بسيطة من الزمن خاصة وأن الأطراف المعنية طرحت الشارع والشارع المضاد كبديل للحوار.
وحتى ولو أن المبادرة جاءت مضغوطة بمدة زمنية قصيرة محددة. فقد يمكن أن يكون ذلك مدعاة للتوصل إلى قدر من التفاهم أو الحلول الوسط، تحت ضغط هذه المدة وفي هذه الحالة يكون الوقت عامل تسريع أكثر مما يكون عامل تأزيم.
لا جدال بأن حلحلة المشكلات القائمة تحتاج إلى وقت. لكن أيضا أوضاع لبنان تحتاج إلى تحرك سريع، بحكم طابعها المستعجل، كما بحكم أن الانتظار قد طال أوانه وأن الترقب بدأ يتحول إلى عبء وبالطبع لا تعني السرعة انجاز المهمة والاتفاق حول الأمور كلها في ظرف أسبوع.
بل تعني أساساً، قطع الخطوة الأولى في هذا الاتجاه وخلق الدينامية التوافقية الكفيلة بتطوير الوضع وإخراجه من الأزمة؛ ولو بالتقسيط والمراهنة هنا على الحس الوطني لدى اللبنانيين وعلى تغليبهم لمصلحة لبنان، التي تتحقق حتماً بالحوار والتوافق بعيداً عن الشارع الذي قد ينفتح على المجهول، الذي لا يريده اللبنانيون ولا العرب، للبنان.