بعد انتخابه رئيساً للسلطة الفلسطينية كان هاجس الرئيس الفلسطيني محمود عباس تنفيذ شعاره الانتخابي وهو توفير الأمن والأمان حيث كان الفلتان الأمني في أوجه، وكانت أغلب حوادث الإخلال بالأمن ناجمة عن عناصر في الأجهزة الأمنية تستخدم سلاح السلطة لتحقيق مآربها خاصة في قطاع غزة حيث صارت عناصر الأمن تشارك في أية نزاعات عائلية حتى ضد السلطة بأسلحتها..

وهذا شكل ما يسمى بالميليشيات العائلية. أبومازن حاول في البداية مع وزير داخليته نصر يوسف أن يعيد ترتيب وضع قوات الأمن ودمجها في ثلاثة أجهزة »أمن وطني وشرطة ومخابرات« بعد أن كانت قرابة 11 جهازاً حيث إن سلفه أي ياسر عرفات كان ذا سياسة أمنية خاصة أي شرذمة قوات الأمن حتى لا تشكل خطراً عليه.

وبعد انتخابه التقيت الرئيس أبو مازن وطرحت عليه مسألة الفلتان الأمني وضرورة أن يعمد إلى نقل قوات من الضفة إلى غزة وبالعكس لأن ذلك يساعد رجل الأمن على أداء وظيفته في محيط لا يعرفه ولا ضغوط عائلية أو معرفية عليه، لكنه قال إن الإسرائيليين رفضوا طلبه بنقل قوات من الضفة إلى غزة.

وبالعكس. ولجأ قائد الأمن الوطني في الضفة إلى نقل قوات من مدينة إلى أخرى لتعمل على فرض القانون ونجح في ذلك أيما نجاح.. لكن إسرائيل عمدت إلى تخريب هذه الخطة بأن هددت بقتل أي شرطي يرتدي زياً عسكرياً أو يمارس عمله في المدن وكان نصر يوسف يوضح للمبعوث الأمني الأميركي المكلف بمتابعة الوضع الأمني حقيقة كون قواته لا تملك أسلحة ولا ذخيرة حتى قال ذات يوم إن تنظيم الجهاد الإسلامي مسلح أكثر من قوات الأمن وأن حركة حماس في إحدى عروضها أظهرت 400 قاذفة »آر بي جي«. ولم يحاول الأميركيون الضغط على الإسرائيليين لتسهيل عمل قوات الأمن الفلسطينية.

وبعد الانتخابات التشريعية وفوز حركة حماس عمدت إلى تشكيل قوة تنفيذية من عناصر حماس لمواجهة قوات الأمن التي رفضت الانصياع لأوامر وزير الداخلية باعتبارها تابعة للرئاسة ومشكلة أساساً من عناصر من حركة فتح وهكذا صار في غزة عدة قوى تتصارع في الشارع..

قوة حماس وقوة الأمن الرسمي والميليشيات الفصائلية ثم الميليشيات العشائرية، ما أدى إلى زيادة الفلتان والاضطرابات في غزة حيث قتل منذ انسحاب إسرائيل من غزة أكثر من 180 فلسطينياً في اشتباكات داخلية، أغلبها بين القوة التنفيذية لحماس وجهاز الأمن الوقائي.

الأميركيون اكتشفوا أن ما يحدث في غزة قد ينتقل إلى الضفة التي تتميز بالهدوء وقلة حوادث الإخلال بالأمن، لكن قادة حماس بلسان بعض الوزراء مثل محمود الزهار الذي يقود شقيقه القوة التنفيذية في غزة أعلن أن حماس بصدد تشكيل قوة تنفيذية في الضفة وهذا جعل أبو مازن يسارع إلى إعادة تنشيط أجهزة الأمن في الضفة واستدعى الحاج إسماعيل جبر القائد السابق لقوات الأمن الوطني الذي أقاله وعينه مستشاراً له.

ويعتمد أبو مازن أيضاً على جهاز المخابرات العامة بقيادة توفيق الطيراوي الذي يخوض صراعاً مع حركة حماس، وقد استفزت تصريحات الزهار عناصر كتائب شهداء الأقصى في الضفة الذين عارضوا تشكيل قوة تنفيذية وهددوا بمحاربتها لكن مجلس الوزراء أعلن انه عين 1500 شرطي كقوة تنفيذية في الضفة وهذا علق عليه أبو مازن بقوله إنها قوة غير شرعية لكن هذه القوة لم تظهر في الشارع حتى تاريخه.

حيث أن طبيعة حركة حماس وعناصرها في الضفة تختلف عما هي عليه في غزة حيث التركيبة السكانية والانتشار الجغرافي يحول دون إثارة أية مظاهر للفلتان الأمني والفوضى والاشتباك. الأميركيون حالياً يركزون على إعادة بناء قوة حرس الرئاسة وتجنيد المزيد من العناصر لها..

لكن قائد حرس الرئاسة العقيد محمود ضمرة »أبو عوض« اعتقل قبل شهور من قبل الإسرائيليين حيث كان مطلوباً لهم منذ توليه الدفاع عن عرفات في المقاطعة ويتهمه الإسرائيليون أيضاً بتدبير عمليات عسكرية كثيرة ضدهم اعتماداً على عناصر القوة 17 الاسم السابق لقوات حرس الرئاسة وقد جرى إعادة تسليح الحرس الرئاسي جزئياً بأسلحة حديثة.

ويقوم المبعوث الأمني الأميركي كيث دايتون بوضع خطة لتدعيم الحرس الرئاسي وتسليحه وينتقل إلى الأردن لتفقد تدريبات لواء بدر التابع لجيش التحرير الفلسطيني والذي ظل في الأردن لقياس مدى قدرة هذا اللواء عسكرياً حيث يجري بحث موضوع نقله إلى الضفة لدعم الحرس الرئاسي.

وكان دايتون عرض أمام اللجنة الرباعية الدولية في لندن الأسبوع الماضي خطة تدعيم الحرس الرئاسي وتدريبها بالاستعانة بمدربين مصريين وانجليز وأردنيين في معسكر بمدينة اريحا حيث تجري تدريبات القوة 17 منذ فترة.

الأميركيون لا يقومون بهذه الجهود لوجه الله بل لدعم القوات الموالية لرئيس السلطة في مواجهة قوة حماس، وهم يريدون أولاً منع حماس من نشر أية قوات في الضفة وتسليم النقاط الحساسة في غزة كالمعابر وغيرها إلى حرس الرئاسة..

وكانت حركة حماس استنفرت كل قواتها وعناصرها الأسبوع الماضي تحسباً لما وصفته بانقلاب ضدها أعدت له حركة فتح وأجهزة الأمن في غزة يوم السبت وتبين أن لا وجود لمثل هذا المخطط وان حماس كانت تخشى من تصعيد الإضراب في الضفة.

حيث أعلنت نقابة العاملين عن خطوة تصعيدية غير متوقعة فظنت حركة حماس أن ثمة نية لاحتلال المقرات الرسمية في الضفة فردت باستنفار مواز في غزة كخطوة تهديدية. في مثل الوضع المضطرب تتعثر المساعي السياسية لإنتاج وزارة جديدة يمكنها أن تلجم الاحتقان وتزيل الحصار الخانق..

فاللعبة السياسية يمسك خيوطها قادة حماس في الخارج الذين يريدون إثبات وجودهم عربياً ودولياً عن طريق الإمساك بورقة الجندي الإسرائيلي الأسير وإعطاء ضوء أخضر لتشكيل حكومة وحدة وطنية وهم لا يريدون إخراج حل فلسطيني - فلسطيني بل يريدون بيع هذا كله لطرف ثالث مثل مصر والسعودية لانتزاع دور خارجي لحركة حماس. وعلى هذا النحو من المرجح أن تتواصل الأزمة الداخلية الفلسطينية إلى ما شاء الله.

رئيس تحرير»الحياة الجديدة« ـــ فلسطين