أثيرت قبل شهور قليلة مضت مسألة تورط دول عديدة بالتعاون مع الاستخبارات الأميركية ووكالتها، بنقل سجناء غوانتانامو إلى سجون سرية وتعذيبهم في أماكن مظلمة وبوسائل قاسية حرمتهم كسجناء حقوقاً أولية، ونتيجة تلك الفضيحة في عصر تثار فيه مسألة حقوق الإنسان صباحاً ومساء.
وجدت الدول الغربية وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي معنية بمناقشة تلك المسألة في برلماناتها ومنظماتها الحقوقية، بل وتحدثت بشكل منفرد دول الاتحاد مع الولايات المتحدة بضرورة إغلاق سجن غوانتانامو السيئ الصيت خلال العام 2006، أو على الأقل تقديم السجناء الموقوفين إلى محاكم عادلة لإنهاء ملفاتهم، كما أن دولاً ينتمي لها أولئك المتورطون والقابعون في سجن غوانتانامو.
وهم في الوقت ذاته حلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة ويعانون من ضغوطات داخلية تطالبها بالنظر في رعاياها كجزء من مناشدة يومية يطرق بابها المحامون، فباتت مسألة مقلقة للسلطات المحلية، فهي معنية أيضاً بالنظر في واقع وحال مواطنيها المعلقة مصائرهم بقرارات البيت الأبيض والبنتاغون، غير أن تلك الزوبعة ذهبت أدراجها.
فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها تعيد تصنيف وفرز الإرهابيين حسب درجة خطورتهم وأهميتهم التنظيمية ودورهم في العمليات الإرهابية بما فيها تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر.
واستغرقت المناقشات القانونية والسياسية وقتاً طويلاً إزاء ذلك التصنيف والمعاملة فهل ينبغي النظر للإرهابيين على أساس أنهم أسرى حرب أم مجرمو حرب وفق اتفاقية جنيف، خاصة وان الولايات المتحدة ترى فيهم تصنيفاً اقرب إلى مجرمي حرب ومرتزقة من نوع خاص تم تصنيفهم كمقاتلين أعداء الداء، وكونهم لم يرتدوا ملابس عسكرية ولا ينتموا لجيوش نظامية لبلد ما في حالة حرب مع الولايات المتحدة، فإنهم بالضرورة لا ينطبق عليهم حالة أسير الحرب.
ومع ذلك تم تجاوز التصنيفات القانونية مؤخراً بعد أن فرزت الولايات المتحدة السجناء في غوانتانامو فبعثت برعايا دول تجد فيهم اقل خطورة في الدرجة محتفظة بالعناصر ذات القيمة الأمنية، خاصة وان من تبقى في سجن غوانتانامو يعتبرون من الكوادر المتقدمة والقيادات السياسية والعقول المخططة في تنظيم القاعدة.
وبعد جدل طويل ومستفيض وخلافات مستفحلة داخل الكونغرس وقع مؤخراً الرئيس بوش على قانون التفويضات العسكرية، وبذلك يمنح الكونغرس تفويضاً يعزز من الأساليب التي تستخدمها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في التحقيقات.
وبشكل صريح أو مراوغ فإن هذا القانون يفتح أبواباً واسعة لاستخدام التعذيب، وبذلك تتناقض تلك القوانين مع قوانين أخرى دولية ومحلية تتعلق بحقوق الموقوفين والسجناء مهما كانت مصنفاتهم والتهم الواقعة عليهم. وقد دارت خلافات بين جهات عدة في الولايات المتحدة بما فيها نواب مثل جون ماكين ومسؤولون في السجن تطالب بتحريم المعاملة القاسية للسجناء.
بينما حاول ديك تشيني الحصول على استثناءات للوكالة ولكنه لم ينجح، غير أن الرئيس بإصدار قانون التفويضات العسكرية يخطو نحو،، امتياز قانوني وسياسي،، في حق مواصلة التعذيب قد يكون مستقبلاً من أحد أسباب سقوط حزبه في الانتخابات القادمة.
إذ مثل ذلك التفويض لا يحّصن المحققين من المحاكمة حال تعرض السجين إلى الأذى الجسدي والعقلي، اللهم أن الوكالة لديها تقنيات جديدة في إخفاء آثار التعذيب أثناء التحقيق والاستنطاق فقد تورطت الوكالة بانتحارات مفاجئة أثارت تساؤلات كثيرة حول ظروف السجن في غوانتانامو.
وإذا ما كان قانون التفويضات العسكرية يورط المحققين قبل غيرهم فهم معرضون للمساءلة في المحاكم الأميركية لتجاوزهم حدودهم القانونية، فوزارة العدل الأميركية والرئيس بوش لا يهمهما مصير المحققين قانونياً بقدر ما ينتظرون من أساليب التحقيق نتائج ضرورية للغاية كاعترافات تؤدي إلى اكتشاف الخلايا النائمة والمخططات المستقبلية وبنية العلاقات التنظيمية وأسرارها.
يشارك ضمير العالم ما قاله السيناتور جون ماكين بعد تعديل الوثيقة القانونية حول قسوة التعذيب بأنها تصدم الضمير والذي لم يعد في أروقة الاستخبارات مسألة مهمة للغاية، فهناك جولات قاسية قادمة تنتظر أولئك الذين بقوا بعد فرز السجناء كأعداء مقاتلين من الدرجة الأولى، وبأن وجودهم في السجن البعيد يظل أهم بكثير من احتجاج العالم ومنظماته الحقوقية.
فقد رفضت دول عدة قبول رعاياها والمتهمين بأعمال إرهابية، مفضلة أن يظل مصيرهم هناك تحت رحمة الوكالة الأميركية، حيث تجد بلدان مثل بريطانيا أن قبول سجناء من هذا النوع والمستوى يجعلهم في حلقة صعبة من دوائر الإعلام والأضواء والمعارضين السياسيين.
والغريب في تصريحات الرئيس بوش بأنه كان فرحاً بانتزاعه نصراً عاجلاً واصفاً القانون بأنه سيساعد في إنقاذ الأرواح، بينما يسقط جنوده في العراق ويعجز عن إنقاذهم، معترفاً بأن الأوضاع في العراق باتت مثل أجواء فيتنام.
وينتهك القانون الجديد حقوقاً كثيرة أقرتها القوانين الدولية والأميركية، فمن جهة يحق للاستخبارات الأميركية إجراء عمليات استجواب سرية كما يمنح القانون الرئيس سلطة تفسير القواعد الدولية إزاء طريقة معاملة السجناء، ومن جهة أخرى يمنح القانون الجديد حقوقاً بمحاكمة الإرهابيين »المفترضين« أمام محاكم عسكرية من دون أن يمنح السجين الموقوف حق توكيل محامٍ يدافع عنه.
وبذلك تتحول المحاكمات إلى أجواء دولة الطوارئ والعسكرتاريا التقليدية ببزتهم العسكرية التي تذكرنا بأزمنة الانقلابات، التي كانت تديرها الولايات المتحدة في أنظمة العالم الثالث وتحيك خيوطها، بينما في زمن العولمة وحقوق الإنسان والديمقراطية هناك تجاوزات وانتهاكات حقوقية مضاعفة وظالمة تجعلنا نشك في المصداقية السياسية للولايات المتحدة التي تنظر للمصالح بمكيالين وتقع في الازدواجية السياسية في قضايا عدة، ثم تعود في لحظات الارتخاء السياسي فتوزع عبر إعلامها وتصريحاتها اسطوانات عن أنشودة الحرية المزعومة والغائبة.
دون شك لمثل هذا القانون تداعيات خطيرة على الشارع السياسي والمجتمع المدني الأميركي، فقد التقط الحزب الديمقراطي ذلك القانون واستثمره في الانتخابات البرلمانية، ووفق مؤشرات الاستبيان ورأي المراقبين قد تنتهي الانتخابات بخسارة الغالبية لحزب الجمهوريين.
بهذا القانون والقوانين الأخرى نتذكر الحقبة المكارثية في الولايات المتحدة، حيث ساد الإرهاب الفكري والسياسي وظل كظلال قاتمة في حياة الأميركيين، كما أن اغتيال جون كيندي ومارتن لوثر كنغ ومالكولم اكس ومضايقة الملاكم محمد علي كلاي في الستينات ليست إلا تلك اللعبة الكبرى المستباحة في التاريخ الأميركي.
كاتب بحريني