وهن القوة العظمى

عندما عرض الرئيس الأفغاني حميد كرزاي ــ الموظف سابقاً في شركة يونيكول الأميركية للنفط ـــ في الأسبوع الماضي على قيادة حركة طالبان الدخول معها في تفاوض فإنه كان قطعاً يتحدث بلسان واشنطن.

وكما كان متوقعاً جاء الرفض الفوري للعرض ليؤكد على قناعة طالبان مع قناعة العالم بأن الوضع العسكري الميداني لقوات الحلف الأطلسي التي تقاتل بقيادة أميركية أصبح لا ينبىء إلا بهزيمة حاسمة.

وعلى الصعيد العراقي تسعى الولايات المتحدة أيضاً للعثور على مخرج ما باللجوء إلى الوسيلة التفاوضية مع قيادات المقاومة المسلحة التي بدورها شرعت في تشكيل مجلس سياسي ليمثلها كطرف تفاوضي.

ولكي ندرك مغزى هذا التراجع الأميركي على الجبهتين الأفغانية والعراقية يستحسن أن ننظر إليه من خلال حالة الوهن الدبلوماسي الشامل للقوة العظمى في مناطق مختلفة من العالم، فالفشل الدبلوماسي المتسلسل لا يفتأ يلاحق الولايات المتحدة في ساحة الصراع الدولي من السودان إلى فنزويلا عبوراً بإيران.

لقد أعلنت إدارة بوش مؤخراً أنها بصدد إجراء تغيير جذري في سياسة تعاملها مع السودان من خلال أزمة دارفور بإلقاء العصا ورفع الجزرة ــ أي الانتقال من سياسة المواجهة والتهديد إلى سياسة التفاهم العقلاني مع عرض »حوافز« على الخرطوم واحترام رؤيتها بأن لا تقدم واشنطن على إنفاذ أية تدابير إلا بعد الحصول على موافقة الحكومة السودانية.

هذا التغيير الجذري ما كان ليحدث لولا أن إدارة بوش اقتنعت أخيراً بأن حملتها الشرسة على السودان في أروقة الأمم المتحدة قد وصلت إلى طريق مسدود.

لكن هذه ليست الهزيمة الدبلوماسية الوحيدة التي حاقت بالولايات المتحدة على صعيد مجلس الأمن الدولي.

فالمشروع الأميركي لفرض عقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي لايزال مصيره مرتهناً إلى فيتو قد تستخدمه روسيا أو الصين أو كلاهما في حالة إصرار واشنطن عليه.

بل حتى حلفاء أميركا الأوروبيون مترددون في إعطاء تأييد كامل للمشروع. فالرئيس الفرنسي شيراك يقول علناً إن أية عقوبات على إيران ينبغي ألا تكون أكثر من رمزية ـــ وأيضاً »قابلة للإلغاء« مستقبلاً.

في هذه الأثناء شهدت الجمعية العامة معركة بين الولايات المتحدة وفنزويلا هوغو شافيز بشأن انتخاب دولة لتمثيل منطقة أميركا اللاتينية في عضوية مجلس الأمن الدولي الدورية. وكانت النتيجة هي التعادل السلبي في عدد الأصوات بين غواتيمالا التي أيدتها فنزويلا والأكوادور التي أيدتها أميركا.

وعوضاً عن ذلك أصبح المقعد من نصيب دولة اتفقت عليها الدولتان المتنافستان ــ وهي بنما.

هذه النتيجة لابد ان تحسب انتصاراً لفنزويلا. فانتهاء مباراة ساخنة إلى التعادل بين القوة العظمى الأولى في العالم ودولة عالمثالثية لا يمكن إلا أن يعتبر هزيمة فاضحة للقوة العظمى.

هذه المؤشرات جميعاً جديرة بالتأمل فهي تعكس دلائل مبكرة عن أن الدبلوماسية الأميركية ربما دخلت مرحلة شيخوخة. وعلى هذا الأساس فإن حالة الوهن الأميركية التي نراها مع صعود التحدي في موسكو وبكين ربما تكون مؤشراً لتبلور عصر تعدد الأقطاب.