لايختلف اثنان في أن قرار إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين يعد واحداً من أهم المنعطفات في العراق منذ احتلاله اثر الاجتياح الاميركي لبغداد سنة 2003. لكن فيما بعد الحكم بالاعدام تتباين المواقف الدولية والعربية وحتى بين العراقيين انفسهم. فإن الحكم يجيء في ظروف بالغة الدقة يضع دوائر عديدة في موضع الشك في مقدمتها الحكومة العراقية والولايات المتحدة الأميركية لدرجة حملت برلمانيين عراقيين على القول إنه حكم انتخابي تهديه حكومة المالكي للجمهوريين في واشنطن.
ولا شك أن هناك جرائم ارتكبها نظام صدام بحق العراقيين واذا كان إعدامه يرضي الذين فقدوا أهاليهم بسبب ممارساته الظالمة ويشفي صدورهم، فإن قرار المحكمة جاء ليصب المزيد من الزيت على نار الاقتتال الطائفي في بلاد الرافدين، وهو الأمر الذي تعكسه تصريحات مسؤولين كبار في الحكومة العراقية وحذر منه برلمانيون من جبهة التوافق العراقية وتؤكده إجراءات حظر التجول في المناطق السنية بأن الحكم هو في حقيقته حكم بالاعدام على العرب السنة ويقضي على أي بارقة للحوار بين طوائف الشعب العراقي ولم يجئ لينصف العراقيين. وأن تنفيذه ستترتب عليه عواقب كارثية على العراق الذي هو أصلا على وشك الانفجار.
وبغض النظر عن الترحيب بالحكم من جانب ضحايا صدام شرقا وغربا والمتلمسين لأي نصر موهوم في العراق ، فإن ردود الافعال المتباينة وتجنب التعليق من جانب بعض الدول والرفض من جانب دول وجهات اخرى أهمها الاتحاد الأوروبي والمفوضية العليا لحقوق الانسان ومنظمة العفو الدولية ومنظمات وهيئات دولية لهذا الحكم يؤكد أننا إزاء محاكمة سياسية اكثر منها قانونية، ولاتختلف عن المحاكمات التي كان يجريها نظام صدام حسين بنفسه لمعارضيه رغم مايسوقه محاكموه من مبررات على نزاهة المحاكمة كونها استغرقت قرابة العام وليست أياماً كالتي كان يجريها صدام!
وإذا كان الرئيس العراقي السابق يستحق المحاكمة فلتكن محاكمة ترعاها الأمم المتحدة وأجهزتها المعنية التي سبقت وحاكمت الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفتش على جرائم حرب يقول محاكمو صدام انه سيعدم شنقا بسببها، ولتكن المحاكمة بعيدة عن التأثر بالعواطف ونزعات الكره لصدام ولكل ما هو بعثي التي لم يسلم منها حتى القاضي الذي ادار محاكمته، ولتكن محاكمة من دون شبهة انتقام أو نزعات التشفي التي برزت بشكل واضح في تصريحات كبار المسؤولين التي تؤكد الطائفية في العراق وتكرسها وتدفع باتجاه تقسيم هذا البلد العربي العزيز على ابنائه وعلى كل عربي.
إن أول ما نطالب به العراقيين هو ضبط النفس ووقف نبرة الطائفية والجلوس الى مائدة الحوار والتعامل بمسؤولية تتطلبها وحدة العراق التي يجب أن يسعى إليها كل العراقيين سنة وشيعة عرباً وأكراداً، وأن يحتكموا إلى كلمة سواء من أجل مستقبل بلدهم، ولكي يفوتوا الفرصة على المتربصين بهذا البلد العربي الكبير.