قالت الزميلة «جلف نيوز» في افتتاحيتها المنشورة في 27 أكتوبر الماضي، انه على الإمارات حماية اقتصاد البلد من مصيدة الديون إذا أرادت التنمية المستدامة، لأن عدم قدرة «السكان» على تسديد قروضهم الواسعة في ظل ارتفاع التضخم والإيجارات سيهدد اقتصاد الدولة. ونتفق مع الصحيفة فيما ذهبت إليه في هذا الخصوص. إذ أن تداعيات القروض الشخصية لا تقتصر على الفرد والأسرة والمجتمع فحسب، بل إن لها انعكاسات خطيرة على الاقتصاد الوطني تتجسّد في غلبة النزعة الاستهلاكية على حساب الجانب الإنتاجي.
العديد من البنوك المحلية تكرس الأنماط الاستهلاكية والمبالغة في الإنفاق، وتفتح الباب على مصراعيه أمام العملاء لاقتراض أموال تتجاوز قدراتهم على السداد، وتعتمد استراتيجية التوسّع المستمر في تقديم القروض الشخصية كأساس لعملها المصرفي، والنتيجة كانت في استقطاب شرائح واسعة من المواطنين والمقيمين للاقتراض، خاصة ذوي الدخل المحدود، الذين يعتمدون على الاقتراض لتغطية العجز في دخولهم التي لم تعد تلبي متطلبات المعيشة المرتفعة، الأمر الذي تبعه تراكم المديونيات والعجز عن السداد.
بعض البنوك حاول تجاوز هذه المشكلة وتخطيها من خلال تقنين هذه القروض وتقديم خدمات تتجاوز مفهوم الإنفاق الاستهلاكي إلى تمويل احتياجات أساسية لدى العملاء مثل التعليم والعلاج وغيرهما من الخدمات الضرورية، وهو أمر محمود لأن عوائد هذه القروض تعود على الإنسان والمجتمع بفوائد كثيرة تسهم في التنمية البشرية والمجتمعية، لكن تطبيق بعض البنوك هذه السياسات لا يعني أن تستمر بنوك أخرى في سياستها نحو تعزيز سياسة الاستهلاك المرهقة للفرد ومجتمعه واقتصاد دولته والتي لا نجني منها في النهاية سوى ديون متراكمة وأفراد عاجزين عن سدادها، وتبعات أخرى تترتب على هذا الوضع.
إن المرحلة المقبلة تقتضي إعادة تنظيم الاقتراض الشخصي الاستهلاكي عن طريق تقليص التسهيلات الممنوحة ووضع ضوابط لحصر حالات الموافقة على الإقراض وفق الحاجات الضرورية، وتفعيل الدور الرقابي للمصرف المركزي. كما انه ينبغي على المؤسسات الإعلامية المختلفة تغيير الكثير من الأنماط والسلوكيات المتعلقة بالاستهلاك، هذا بالإضافة إلى ضرورة الاستفادة من الإحصاءات التي تقوم بها جهات مختلفة في الدولة من خلال إحصاء عدد السكان المقترضين،
وعدد الذين تمكنوا من الهرب إلى الخارج مخلفين وراءهم ديوناً طائلة تتحملها مؤسسات حكومية وخاصة تقوم بدور الكافل. كما أن الخبراء الاقتصاديين والمحللين الماليين الذين يهتمون بقضية القروض الشخصية لابد وأن يبحثوا عن حلول تقلل من تأثير هذه القروض السلبية على الدولة مستقبلاً، أما ترك الأمور على ما هي عليه بين إنفاق واستهلاك ناتج عن ضغط أعباء معيشية وقلة وعي استهلاكي فهو الأمر الذي لاينبغي السكوت عليه لأنه كما ذكرت «جلف نيوز» يعيق التنمية المستدامة التي تسعى دولة الإمارات لتحقيقها وهو الأمر الذي لا نتمناه جميعاً.