عندما يصلك، عزيزي القارئ، هذا المقال يوم الاثنين يكون قد بقي يوم واحد فقط قبل أن تجري الانتخابات الجزئية للكونغرس الأميركي في 7 نوفمبر 2006. سيتم تجديد طاقم مجلس النواب بالكامل وثلث مجلس الشيوخ وسط إحساس بأن الناخب الأميركي قد تعب وسئم من الإدارة الحالية للجمهوريين وأخذ يتحول بصوته نحو الديمقراطيين.
يذكر الأمر بما حدث لإدارة الرئيس بيل كلينتون في مثل هذه الانتخابات عام 1994 عندما بدا وكأن الجمهوريين هجموا مقتحمين الكونغرس فجردوا الديمقراطيين من أغلبيتهم في الغرفتين. وقد أطلق على تلك الانتخابات اسم «الثورة الجمهورية». وبات الحديث هذه المرة عن «ثورة ديمقراطية» مقابلة.
ومع هذا الشبه فإن ثمة اختلافاً كبيراً بين الحالتين. في تلك الانتخابات لم يتوقع الجمهوريون فوزهم بذلك الحجم الذي أذهلهم قبل غيرهم. أما الآن فيمكن بسهولة حساب توازنات القوى التي تميل لصالح الديمقراطيين بشدة. وإدارة الرئيس بوش تعد لهذه الانتخابات وكأنها تتهيأ لحلول كارثة طبيعية. فلكي يحرز الديمقراطيون الأغلبية في الكونغرس فإنهم بحاجة إلى 15 مقعداً إضافياً في مجلس النواب و6 في مجلس الشيوخ.
من واشنطن يؤكد عالم السياسة الشهير، الباحث في مركز التفكير الأميركي American Enterprise Institute نورمان أورستاين في مقابلة أجرتها معه الإزفيستيا، أن الديمقراطيين سيحققون لمجلس النواب ليس العدد المطلوب وهو خمسة عشر فقط، بل وربما ثلاثين أو أربعين مقعدا إضافيا. أما بالنسبة لمجلس الشيوخ فالأمر صعب بعض الشيء، حيث يعتقد أن خصوم الرئيس بوش سيحصلون على أربعة أو خمسة مقاعد إضافية وليس ستة. وبهذا يصلون معه إلى التوازن تقريبا، لكن ليس الأغلبية.
مبعث تعب الأميركيين من الجمهوريين يتلخص في مشكلتين: الأولى هي الحرب في العراق. وفي المرتبة الثانية تأتي موجات فضائح فساد القادة الجمهوريين التي تزكم الأنوف. أصبح الناخب الأميركي يدرك جيدا أن ما يهم أعضاء الإدارة الأميركية الحالية في سياساتهم الخارجية والداخلية هو المال، ولا شيء غير المال.
وأنهم يديرون اللعبة وفق قواعدهم الخاصة دون اعتبار حتى لحلفائهم في الخارج أو الذين أوصلوهم إلى دفة الحكم في الداخل. أصبح يدرك ذلك أيضا المواطن العادي في بلدان أخرى حليفة للولايات المتحدة الأميركية. فبنتيجة استطلاع متزامن للرأي العام أجرته قبل أيام في أربع دول «الغارديان» البريطانية و«هآرتس» الإسرائيلية و«لا برس» الكندية و«ريفورما» المكسيكية أظهرت أن معظم مواطني هذه البلدان لا يعتقدون بأن بوش جعل العالم أكثر أمنا، بل إنه يشكل خطرا، يعتقد البريطانيون، مثلا، أنه الخطر الأكبر بعد بن لادن.
في مثل هذا الوضع لا شيء يسعد الرئيس بوش في أن يصبح بعد هذه الانتخابات «بطة عرجاء» ويقضي عامي ولايته الأخيرتين في البيت الأبيض وهو شبه مشلول، فاقد السيطرة على العملية التشريعية. لكنه يعرف جيدا أن الدستور الأميركي يعطي لرئيس الولايات المتحدة صلاحيات استثنائية في حالات الحرب والأزمات التي «تهدد» المصالح الحيوية الأميركية.
وهذا ما يجعل الرئيس وإدارته يكثران الحديث عن عدة مناطق أزمات حول العالم، تأتي في مقدمتها منطقة الخليج. فمنذ نهاية الشهر الماضي أكتوبر بدأت في مياه الخليج وقبالة السواحل الإيرانية مناورات عسكرية ضخمة تشترك فيها 25 دولة، بينها خليجية، بقيادة أميركية. والحجة أنها «للتدريب على اعتراض السفن التي تحمل مواد نووية» في إشارة واضحة إلى إيران.
قائد القوات البحرية الإيرانية كوجكي شكك بأهداف هذه المناورات، وقال إنها جاءت بعد هزيمة أميركا في العراق وأفغانستان لأجل تحقيق أهداف دعائية وسياسية يمكن توظيفها لانتخابات الكونغرس الأميركي.
وهكذا، كلما تخلخل وضع الإدارة الأميركية انتخابيا كلما لوحت بالحرب في منطقتنا. وما دام وضعها مرشحا للتخلخل أكثر خلال العامين المقبلين حتى الانتخابات الرئاسية عام 2008 فإن الحاجة قد ترتقي من التلويح بالحرب إلى شن حرب فعلية جديدة - تحت أية ذريعة، لا يهم.
ترى هل سنظل نحن على الدوام أسرى تكتيكات وإستراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة تحت ذريعة أننا مهددون من إيران؟
حسنا، إذا كنا مهددين بالفعل. وإيران، كما نرى، تجري الآن مناورات عسكرية تم منذ بدايتها بنجاح إطلاق صواريخ بعيدة المدى من طراز «شهاب -2»، «شهاب- 3» القادرة على حمل رؤوس عنقودية وصواريخ «سكات - ب»، «ذو الفقار ـ ئ؟73ئ؟» وكذلك «زد-30» و«فتح-110».
كما سيتم إطلاق صواريخ مختلفة المدى القصير ابتداء من 150 كلم. وكل هذه الصواريخ، كما أكد التلفزيون الإيراني، قد أنتجت في إيران وبفضل اختصاصيين إيرانيين. كما سيجري في هذه المناورات اختبار أسلحة غاية في الحداثة من إنتاج إيراني وأجنبي.
إذن، فلقد هزمنا حتى قبل الدخول في أية معركة. كيف؟ إيران تنتج سلاحها وتجعل من القطاع الإيراني رافعة لصناعات وقطاعات اقتصادية كثيرة في بلادها. قطاعنا العسكري قطاع مشتريات لمنتجات عسكرية.. لا أكثر، لا أقل. وحصيلة «المعركة» أن إيران حققت تراكما رأسماليا داخليا، بينما استنزفنا نحن أموالا طائلة على حساب التراكم الداخلي لرأس المال. هذا أولا.
وثانيا، مشترياتنا العسكرية كلها، أو جلها، من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول حليفة لهما. وهي الدول التي تعتبر نفسها في حالة نزاع، إن لم نقل حرب، مع إيران. النتيجة أن الطرفين المتصارعين يعرفان كيف يحققان مكاسب بشكل أو بآخر، ونحن.. خسائر مؤكدة. وثالثا، بلداننا تتسلح، وتعرف أن سلاحها سيظل غير فعال، لذلك تلجأ «للحماية» الخارجية جهارا نهارا فتدفع، وندفع مقابل هذا وذاك ثمنا باهظا.
ورابعا، رحيم صفوي قائد قوات الحرس الثوري الإيراني قال إن المناورات الإيرانية لا تمثل تهديدا لبلدان الخليج المجاورة، بل بالعكس هي من أجل تعزيز الأمن في المنطقة. كما قال «إن النموذج الذي تقترحه إيران يتلخص في العمل المشترك لكل البلدان المتجاورة لضمان أمن المنطقة».
وبدوره نفى مسؤول بحريني رفيع المستوى رفض ذكر اسمه لجريدة «الشرق الأوسط» في 31 أكتوبر الماضي أن تكون المناورات المشتركة مع أميركا ودول أوروبية وخليجية التي بدأت في اليوم السابق في مياه الخليج العربي «موجهة ضد إيران». إذن، نحن حبايب!
الذي لم ينفه أحد هو الخبر الذي سربته صحيفة «الجيروزاليم بوست» الإسرائيلية استنادا إلى مصادر دبلوماسية أن الرئيس بوش في حديثه مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك حول مواجهة الخطر النووي الإيراني قال إنه «لا يستطيع استبعاد» أن توجه إسرائيل ضربة لمشاريع الصناعات النووية الإيرانية. وأضاف أنه «إذا حدث ذلك فإنني سأتفهم (التصرف الإسرائيلي)».
(لينتا.آريو، 2006,11,2). بل أن أفيغدور ليبرمان المتطرف الذي عين أخيرا وزيرا للشؤون الإستراتيجية في الحكومة الإسرائيلية لم يستثن في تصريحاته هو الآخر احتمال توجيه ضربات لإيران من الجو. معادلة بعدة مجاهيل، هل نحن فيها الطرف «الأجهل»؟
كاتب بحريني