مع تصاعد وتيرة الحماس لخوض انتخابات المجلس الوطني المقبلة وإفصاح عدد من أعضاء الهيئة الانتخابية عن نيتهم الترشح لها، تتوالى ردود الأفعال والمواقف بين من ينظر إلى الأمر بجدية تامة، ومن لا يزال يراقب الموقف مترددا بين أخذ الأمر بالجدية التي يستحقها، وبين التهيب من خوض غمار التجربة الجديدة، بينما يتم إعداد خطوات التجربة على نار هادئة للاقتراب بها من النضج دونما حرق أي من مراحلها التي بدأت تقترب من اللحظة الحاسمة.

هكذا وبعد أن تجاوز الأمر التكهنات وحديث المجالس، وظهرت القوائم الانتخابية التي غدت محل جدل كان متوقعا قبل ظهورها حتى لو اختلف شكلها عما ظهرت عليه، وجد أعضاء هذه القوائم أنفسهم أمام خيارين: خيار الترشح لخوض الانتخابات وعدم تفويت هذه الفرصة الذهبية بغض النظر عن دوافع الترشح، وخيار المشاركة في العملية بفاعلية عن طريق انتخاب الأصلح من بين المترشحين للقيام بمهمة تمثيل مواطني إمارته في المجلس الوطني الجديد الذي سيكون مختلفا،

أيًّا كانت درجة الاختلاف التي يراها المتشائمون لا تمثل نسبة تستحق الاهتمام، بينما ينظر إليها المتفائلون باعتبارها خطوة على طريق الانتخاب الحر الكامل الذي هو آت لا محالة كما ترى القيادات العليا ويصرح المسؤولون عن التخطيط للعملية الانتخابية وإدارتها بشكلها الحالي للانتقال بها إلى المراحل المتقدمة بسلاسة، كي لا تتعثر التجربة وتفشل وهي لما تزل بعد وليدة.

وإلى جانب من اختار الترشح لخوض الانتخابات ومن قرر المشاركة فيها بالانتخاب دون الترشح ثمة فئة ثالثة اختارت موقف المتفرج العازف عن الترشح والانتخاب معا. هذه في رأينا فئة اختارت أن تقف من القضية كلها موقفا سلبيا لا يتفق مع مبدأ الولاء للوطن مهما كانت المبررات والدوافع.

ورغم تباعد النظرتين؛ بين مؤيد للتجربة يرى فيها من الإيجابيات ما يستحق التشجيع والمضي قدما في خوضها، ومعارض يرى فيها من السلبيات ما يجب التوقف عنده لتجنيبها الفشل الذي يُخشى منه، رغم هذا كله يبقى الوازع الوطني هو المحرك لكل هذه المواقف، ويبقى الحرص على مصلحة الوطن والرغبة في الوصول بالعملية الديمقراطية إلى درجة الكمال والاكتمال هما الدافعان الأساسيان لكل من أدلى بدلوه حول التجربة، ويبقى حب الوطن هو المظلة التي يجتمع الكل تحتها.

فإذا ما انتهينا من هذا كله وألقينا نظرة على البرامج الأولية التي أعلن المترشحون عن عناوينها ولم يكشفوا عن تفاصيلها وجدناها تتمحور حول قضايا أساسية يدور الحديث عنها منذ أن ظهرت في وسائل الإعلام المختلفة، ويتم بحثها في كل المنتديات المهتمة بقضايا الوطن، بل تم طرحها على كل المجالس الوطنية السابقة وأُشبعت نقاشا دون التوصل إلى نتائج حاسمة تجتث هذه المشاكل من جذورها، وتقضي على أسبابها، وتضع الحلول الناجعة التي تحول دون تفاقمها وتَحوُّلِها إلى صداع مزمن يقضُّ أمن المجتمع ويهدد استقراره.

تمثل قضية التركيبة السكانية عاملا مشتركا بين برامج أغلب الذين أعلنوا نيتهم الترشح للانتخابات حتى الآن. وهي قضية شائكة تلقى الأهمية نفسها لدى الحكومة التي أحالتها إلى لجنة خاصة في التشكيل الوزاري الأخير لبحث جوانبها المختلفة واقتراح الحلول المناسبة لها.

وتحتل قضايا الإسكان والتعليم والصحة موقع الصدارة لدى جميع المترشحين الذين يرون أنها تشكل أولوية لدى المواطنين لتماسِّها مع حياتهم اليومية وتعلقها بمستقبل أبنائهم. ويتناول بعض المترشحين قضية البطالة بين المواطنين من جوانب مختلفة يدور بعضها حول تأهيل الكوادر الوطنية لسوق العمل، وإيجاد فرص عمل لهم في القطاعين العام والخاص، والتنسيق بين المؤسسات المختلفة في الدولة ومؤسسات التعليم العالي لسد شواغر سوق العمل.

وتدعو برامج بعض المترشحين لمحاربة التضخم والارتفاع في أسعار المواد الاستهلاكية حيث أعلن بعضهم أنه سيعمل على تشجيع قانون الشركات وحماية المستهلك وتفعيل دور ديوان المحاسبة ورفع الاحتكار عن السلع الرئيسية، بالإضافة إلى الرقابة على الأسواق المالية. كما وجدت قضية القروض الشخصية مكانا لها في البرامج الانتخابية باعتبارها مشكلة تؤرق أغلب فئات المجتمع التي تلجأ إليها لتوفير احتياجاتها الأساسية.

بينما تضمنت بعض البرامج مطالبات بتحقيق الرفاهية للمواطن الإماراتي، وتوفير المزيد من الخدمات وجودتها لأبناء الوطن مع التركيز على زيادة رواتب الموظفين العاملين في الدولة لتتماشى مع الغلاء السائد. وتضمن البرنامج الانتخابي لإحدى المترشحات توعية المرأة بكيفية التعامل مع الرجل من خلال دروس توعية بسبب ارتفاع حالات الطلاق والخلافات الزوجية نتيجة عدم وعي النساء حسب رأيها، بينما لم يغفل المترشحون الرجال قضايا المرأة المتعلقة بالعنوسة والطلاق فأولوها الاهتمام الذي تستحقه.

ودعا بعضهم إلى نشر مظلة المساعدات الاجتماعية لتشمل مختلف الفئات التي تعاني من العوز وتعتمد بشكل كامل على الضمان الاجتماعي من أجل توفير حياة كريمة لها، خاصة كبار السن والأرامل. وطالب بعضهم بتعديل القوانين والتشريعات التي مضى على إصدارها سنوات طويلة بحيث تلبي الاحتياجات المستقبلية للدولة وتتلافي أوجه القصور التي شابتها منذ صدورها قبل سنوات عدة، وخصوا القوانين التجارية والاقتصادية منها.

وكان أهم ما طرحه أحد المترشحين هو إصلاح تشريعات المجلس الوطني كخطوة أولى لفتح الطريق للوصول إلى طموحات الناخبين. وفيما كشف أغلب الذين أعلنوا نيتهم الترشح لانتخابات المجلس الوطني أوراقهم وبرامجهم، أعلن البعض أنهم لا يريدون حرق أوراقهم بإعلان برامجهم الانتخابية، وأنهم سيلعبون على عنصر المفاجأة لحسم نتائج الانتخابات لصالحهم.

هكذا تدور عجلة الانتخابات القادمة بوتيرة متصاعدة، قد لا تخلو من الإثارة في بعض مراحلها، حتى موعد الإعلان عن قائمة المترشحين النهائية المقرر له يوم الثلاثين من نوفمبر الجاري، وقبل الحملات الدعائية المقرر لها أن تبدأ اعتباراً من الأول من ديسمبر المقبل وتستمر حتى الرابع عشر منه. برامج لو أُتيح لها أن تجد طريقها إلى التنفيذ لحلت كل مشكلات الوطن وقضاياه، لكنها لعبة الانتخابات التي يعرف البعض أصولها ويجيدونها، بينما لا يملك الآخرون سوى الفرجة والانتظار حتى يمر من أمامهم القطار.

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com