رغم أن الاقتصاد يتقاطع مع السياسة، بل ان السياسة تتقاطع مع الاقتصاد في الاقتصاديات الرأسمالية التي يمثل فيها القطاع الخاص القطاع الرائد في العملية الاقتصادية. إذ ان العلاقة بينهما أقرب إلى حالة ما يسميه علماء التربية وعلم النفس بالتغذية المرتجعة.إلا أن مثل ذلك لا يبدو منسحبا على الاقتصاديات الريعية أو ذات السمة الريعية في الاقتصاد الخليجي والتي يعتبر فيها القطاع الخاص تابعاً لحركة الدولة أكثر منه الدولة تابعة لحركة هذا القطاع أو متأثرا به.
ويمثل التجار طبقة اقتصادية ذات ثقل اقتصادي متنامي وثقل اجتماعي مهم في المجتمع الخليجي، إلا أن هذا الثقل يتباين في أحايين كثيرة من قطر خليجي لآخر إذا ما جاء الحديث عن موقعهم وتأثيرهم السياسي. فثقل التجار السياسي في الكويت مثلا غير ذلك في البحرين والمملكة العربية السعودية أو أي دولة خليجية أخرى.
من هنا بدا المجتمع التجاري وكأنه رديف للدولة أو صنيعا لها، أكثر منه أن الدولة متأثرة بظروف تشكله. وإذا ما كان هذا القول متسقا مع جل الحالات الخليجية باسثناءات نسبية للحالة الكويتية التي مثل فيها التجار في فئته أو طبقته التقليدية قوة ندية ليس لمؤسسة الحكم فحسب وإنما هي كذلك لكل القوى السياسية الفاعلة في الساحة الكويتية بما فيها القوى الإسلامية التي لم تستطع امتداداتها، إلى حد كبير، اختراق الجيوب الانتخابية المغلقة على الجماعات التجارية التقليدية، في ضاحية عبدالله السالم والشويخ والنزهة وبعض المناطق الأخرى.
وإذا ما كانت الكويت قد مثلت في العقود الأخيرة من القرن الماضي نموذجا للتحديث الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فإن الدور السياسي الذي لعبته الغرفة التجارية الكويتية قد بقي بالنسبة للقطاعات الأخرى المشابه في الخليج نموذجا صعباً تمثُله لأسباب بعضها ذات علاقة بضيق الفضاء السياسي المتاح في الحالات الخليجية الأخرى وكذا اختلاف ظروف النشأة والعلاقة مع مؤسسة الحكم.
بل أن هذه المقاربة تمتد إلى الحالة البحرينية التي عرفت بقوة وحركية قوى المعارضة المختلفة فيها. فبالرغم إن مجتمعها التجاري التقليدي، أو ما قد يسمى بالأرستقراطية التقليدية، عرف بكونه القطاع الرائد في عملية التحديث الاقتصادي والاجتماعي وكذا تبنيه لقيم الحداثة والتحديث، إلا أن مواقفه من قضايا التحديث السياسي بقي متلكئا بل وفي حالات كثيرة فإن الأمر يبدو وكأنه خارج عن أجندتها التحديثية التي بدت وكأنها متناقضة معها في بعض المراحل..
ونتيجة لذلك فقد بدا موقف هذا القطاع، في نظر الآخرين، وكأنه متمثل إن لم يكن متبنيا بالكامل للموقف الرسمي، وهو الأمر الذي انعكس على الحالة الترددية التي تعيشها جماعة الغرفة الآن من قضية الممارسة الصريحة للعمل السياسي وتحديدا في مسألة الدخول في الانتخابات البرلمانية كجماعة تجارية ذات مصالح وتوجه يتبنى الاقتصاد الحر والليبرالية الاجتماعية في الحياة العامة ولربما إلى حد ما الليبرالية السياسية كنظام للحكم.
وبدا هذا القطاع خلال السنوات الأربع الماضية من عمر الفصل التشريعي الأول وكأنه واقع تحت رحمة القوى الإسلامية التي لا يرى بعضها في الغرفة غير فصيل سياسي أو اجتماعي تابع أو أنه معني فحسب بتعظيم مداخيله المالية، وهو موقف أو اتجاه وجب تغييره عبر عمل مؤسسي منظم وفق أطر سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة، وضمن مدى زمني قد يأخذ بعض الوقت الذي يجب ألا يصيبه الكلل.
و قد نتفق، قليلا أو كثيرا، مع الطرح القائل بأن الاستثمار الاقتصادي خصوصا في بعض قطاعاته الخدمية قد تأثر كثيرا، بشكل أو بآخر، نتيجة لسيطرة جماعات الإسلام السياسي على المجلس المنتخب السابق، وبالتالي تجيير هذا السطوة في ما قد يسمى بأسلمة الاقتصاد والذي يبدو أنها احدى الخطوات المنهجية المهمة التي تتبناها جماعات الإسلام السياسي، في عموم المنطقة العربية، في نزوعها غير المعلن والتدريجي نحو تديين الدولة أو بالأحرى إقامة الدولة الدينية.
ومن حُسب من النواب على التجار بحكم ممارسته لمهنة التجارة لم يحسب عليهم من حيث الموقف والنزوع. فهم في أغلبهم قد تبنوا مواقف الجماعات الإسلامية التي اتسمت مواقفها من بعض الأنشطة والاستثمارات الاقتصادية بقدر من التشدد والرفض، بل ان مواقفها بدت طاردة لأي توجه استثماري جديد،
وبدا القول الشائع عما يسمى بالسياحة النظيفة شماعة تعلق عليها كل ادعاءات الإعاقة هذه. وحتى من انتسب من هؤلاء إلى ما سمي بالكتلة المستقلة فقد تبنى في الكثير من المواقف والمواقع البرلمانية موقف أكثر الجماعات الإسلامية في المجلس تزمتا. ولم تكن المصالح الاقتصادية للتجار ذات حضور جدي في برامجهم ومواقفهم واقتراحاتهم.
وإذا ما كان للتجار رغبة في المحافظة على مصالحهم في المجلس أو المجالس المنتخبة القادمة، فإن هذا قد يستدعي منهم العمل الجاد والمنهجي والقائم على أجندة وواضحة ومعبرة بشكل صريح عن مجتمع التجار وتوجهاته الاقتصادية والاجتماعية. ودون ذلك فإن أجندات الجماعات الإسلامية بضفتيها ذات المضامين الإيديولوجية ولربما الطائفية ستكون لها الغلبة ليس من حيث الحضور العددي فحسب وإنما هي كذلك من حيث القدرة على فرض رغباتها السياسية وتوجهاتها الإيديولوجية على أجندة المجلس ومخرجاته.
إن الجماعة التجارية بحاجة للانعتاق من خوفها المزمن، من دخول المعترك السياسي والذي قد يضعها أحيانا في مواقع الاختلاف والتباين مع المؤسسة الرسمية، كما أنها بحاجة إلى أن يكون لها مواقفها السياسية المستقلة أو البعيدة عن التوجهات الرسمية ومواقعها السياسية الداخلية.
وهي بحاجة كذلك لأن تبني لها موقعا مؤثرا أو ذات حظوة عند العامة، وذلك من خلال لعب دور أو أدوار أكبر ومشاركة أوسع في قضايا الشأن العام:و هي أدوار يجب أن تكون خالية مما قد يسمى «بالزبهرجة» الإعلامية والاتجاه نحو تبني خطوات تحسس القطاع الأكثر حاجة في المجتمع بالدور ليس الخيري أو المُحسن فحسب للقطاع التجاري وإنما كذلك لدوره التنموي وغير«الجشعي» لهذا القطاع في علاقته بالمجتمع.
وقد يكون هذا القطاع بحاجة كذلك لأن ينفق أكثر لبناء سمعته المتضررة أو بالأحرى المشوه، إلا أنه بحاجة لأن يعمل ليس على أساس الوصول للمجلس القادم فحسب وإنما أن يكون له حضور من خلال الناس وأصواتهم في المجالس البرلمانية القادمة. بمعنى أن يتحول التجار من قوة سياسية هامشية إلى قوة سياسية فاعلة ومؤثرة يحسب لها حساب،
من خلال موقعها في المجتمع، لا أن يكون لها ممثلون بالإنابة أو غيرهم لا يكون همهم غير تضييق الخناق عليها وذلك من خلال الإكثار من الاجازات والتشريعات التي تُشرعن سيطرتهم ومؤسساتهم المالية على الاقتصاد، وتبني مواقف طاردة للأنشطة والاستثمارات الاقتصادية بفعل حضورهم الكثيف والمؤثر في الغرفة المنتخبة..
إن واحدة من أهم معضلات المجتمع التجاري هو افتقار هذا القطاع لزعامة أو زعامات تاريخية، والتي من خلالها قد يسجل نقطة تحول علاقته بالمجتمع من ناحية وعلاقته بالدولة من ناحية أخرى. وأخيرا فإننا نقول إذا ما كانت الجماعات الإسلامية قد امتلكت الشارع من خلال سيطرتها على المؤسسات العبادية والدعوية والخيرية، فإن الاقتصاد يبقى يمثل الأساس الذي لا يمكن أن يعيش الجميع دون حركته ومن يمتلك الحركة الاقتصادية لهو قادر بالطبع ليس فحسب أن يكون جزءا من العملية السياسية وإنما أن يمثل القوة المؤثر فيها والقادر على عقلنتها.
كاتب بحريني