للعظات أهلها وأنا لست من الواعظين الذين أجل بعضاً منهم، ولكني ارتأيت أن أعرج قليلاً على جانب من الذات البشرية، لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن الشأن العام، بل إنه لصيق به أشد الالتصاق، لاسيما إذا علمنا أنه يشكل المكون الأساسي له . على الرغم من أن للفساد وجوهاً و دروباً تتعدد وتتنوع وفق الظروف المحيطة والخاصة بكل ظاهرة مرضية من هذا القبيل على حدة، إلا أنها جميعاً تعمل عمل الدودة التي تظل تنخر في عضد المجتمع حتى تأتي عليه كله،

وعلى الرغم من تشظي هذه الآفة الاجتماعية في شتى مفاصل الحياة الإنسانية سواء كانت اقتصادية أم سياسية أم غير ذلك إلا أنها جميعاً تنم عن جشع أبطالها وتوقهم إلى الاستيلاء على ما ليس لهم من غير وجه حق. وعلى الرغم من الأهمية القصوى لكل ميدان من ميادين الفساد بمفرده والتي لا تعد ولا تحصى، إلا أن الفساد الأخلاقي أو فساد الأخلاق يبقيان يتصدران قائمة هذا الطاعون الآخذ بالتفشي دون هوادة في الاتجاهات الأربع.

وليت الفساد يبقى محصوراً في دائرة المكون الأول في المجتمع والمتمثل في الفرد،لا بل إنه يتعداه ليطال مستويات و أطراً تتسع باتساع رقعة لا نهاية للشراهة فيها في ظل سيطرة ثقافة الاستهلاك على عقول البشر، وقد تشمل تلك الأطر، فضلاً عن الفرد طبعاً،المؤسسة المجتمعية بجميع مستوياتها الأفقية والشاقولية وقد تتلوى وتتعرج كما الدودة تماماً لتغطي مساحات ومجالات لا يتصورها عقل إنسان.

باختصار،إن لظاهرة الفساد جذورا ضاربة عميقاً في شتى ميادين الحياة وفروعاً لا يستهان بها قادرة على الوصول إلى مبتغاها أينما وكيفما كان، خاصة وأن أبطالها باتوا يرفعون علانية شعارات أقل ما يمكن أن توسم به هو أنها شعارات دنيئة لا تعكس سوى عقليات ونفسيات مريضة سيطرت عليها الغرائز الحيوانية التي لا تعرف سبيلاً سوى سبيل الإشباع وبغض النظر عن الوسيلة أو الثمن الذي غالباً ما يكون على حساب إنسانية صاحبها تغولاً في حيوانيته.

ومثلها كمثل بقية الظواهر الاجتماعية الأخرى بعجرها وبجرها، فإن لظاهرة الفساد أنجالا شرعيين يحملون أسماء وألقاب تطول قائمتها تميزهم عن أقرانهم من الأنذال مثل الانتهازيين والطفيليين والوصوليين والمتسلقين والسماسرة، الذين مات فيهم الضمير ولم يعد ثمة شيء في الدنيا وحتى الآخرة قادر على صد نزعاتهم ونزواتهم المادية غير الأخلاقية المغمسة عادة بعرق أو حتى دم الآخرين وحقوقهم.

وعلى الرغم من وجود تشريعات وقوانين وربما أعراف تجرم هذه الظاهرة المقيتة، إلا أن هذه جميعاً تبقى حبيسة الكتب التي تنص عليها والرفوف الموضوعة فيها تلك الكتب وهي لا ترى النور إلا بشق الأنفس حين تستفحل انعكاسات هذه الظاهرة وتشيط وتفوح رائحتها.

وعلى الرغم من أهمية هذا المستوى من المعالجة والذي يتم التصدي له لدى تفاقم الظاهرة وحين يصبح السكوت عليها مستحيلاً والصمت حيالها جريمة بحد ذاته، إلا أن قضية قطع دابرها أو الحد من انتشارها ، وهذا أضعف الإيمان، تحتاج إلى أكثر من القوانين الجامدة ولذلك تم إطلاق مصطلح «محاربة الفساد» على الجهود التي تبذلها الدول والحكومات والمؤسسات والأفراد للحد من هذه الظاهرة،

ذلك أن المقصود من استخدام عبارة«محاربة» هو أن الأمر يتعلق بعملية لا يقتصر مدى الاهتمام بها على الأطر الرسمية فحسب، وإنما يجب أن تشمل الفرد نفسه بما في ذلك ثقافته وأخلاقه ومجموعة القيم التي يتبناها في الحياة.

إذا كان منطلق الفساد هو الفرد فإن مآله الفرد أيضاً والذي تقع على عاتقه وعلى عاتقه فقط مسؤولية محاربة هذا البلاء الذي حل بالإنسان في شتى بقاع الأرض، وخاصة إذا علمنا أن المكان بات يضيق أكثر فأكثر على كل من يحاول التحليق خارج سرب الفاسدين والمفسدين في الأرض، الذين يتبوأون مقاليد الأمور على جميع الصعد وشتى المستويات تقريبا ولا يسمحون إلا للمحسوبين عليهم بمواصلة التحليق والارتقاء صعوداً لإحكام قبضة الفساد حتى على العقول والتفكير قبل التصرف والسلوك.

صحيح أنه لن يصح إلا الصحيح في نهاية المطاف، لكن ذلك لن يحدث إلا بعد أن يكون الفرد والمجتمع على حد سواء قد عاث بهما الفساد خراباً وتدميراً إلى درجة لا يصلح معها إلا الكي أحياناً، إن لم نقل في كل الأحيان، ومن هنا تأتي أهمية «الحرب الاستباقية» ضد الفساد، وذلك لتدارك ما يمكن تداركه قبل أن تأتي نار هذه الظاهرة المقيتة على المحصول كله وحينها لن يبقى للكلام أي معنى.

حين يعم الفساد ويستشري في عروق وخلايا الجسد فإن كل شيء يتحول إلى سلعة تتمتع بقابلية المداولة والمقايضة والبيع والشراء، الأمر الذي لا يقتصر على الذمم والقيم الإنسانية فحسب بل إنه يطال كل مظاهر الحياة مهما علا شأنها بما في ذلك الأوطان ذاتها.