اجتمعت يوم الجمعة الماضية كوكبة من النساء العربيات والمسلمات في أرض اليمن السعيد للمناقشة والحوار حول أوضاع المرأة العربية والمسلمة وحقوقها الديمقراطية، وما الذي قامت به كل دولة من الدول العربية والإسلامية من إجراءات لتسهيل المشاركة السياسية للمرأة وإكسابها حقوقها السياسية.
قبل هذا المنتدى كانت هناك منتديات ومؤتمرات ولقاءات أخرى عدة دارت حول نفس الموضوع وفي دول عربية ومسلمة مختلفة، وأفرزت هذه الاجتماعات مواثيق مثل «وثيقة الإسكندرية»، واتفاقيات مختلفة أخرى. هذا الاهتمام بتناول قضايا المرأة وحقوقها السياسية زاد وتكثف في الآونة الأخيرة، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولا يعني هذا أن موضوع المرأة وحقوقها هي من المواضيع الجديدة المطروقة في الساحات السياسية،
بل على العكس، هذه المواضيع من المواضيع الدائمة في الأجندة السياسية الدولية، اللهم إلا أنه يخفت ويتراجع في الأولوية ثم يعود ليصعد مرة أخرى إلى المراتب الأولى في الأهمية، وذلك حسب الحاجة وما تقتضيه الأوضاع السياسية العامة، والامبريالية منها على وجه التحديد.
عبر التاريخ كانت ورقة المرأة وحقوقها السياسية والاجتماعية من الأوراق الرئيسة المستخدمة من قبل الدول الاستعمارية لتحقيق الكثير من أهدافها، ولتبرير أشكال مختلفة من نشاطاتها المتسمة دوما بالانتهاكات والاعتداءات على الآخر. وما زال الغرب يستخدم هذه الأوراق ومازال هناك الكثير منا ممن يتبنوها أو يصدقوها اعتقادا منهم أنها تمثل الفرصة المثلى لنيل الحقوق، وبذلك يتحول هؤلاء إلى أدوات مثلى للترويج لأفكار المستعمر وترديدها، ومهملين ومتجاهلين للتاريخ وحقائقه.
فقبل غزو أفغانستان قال الرئيس بوش في إحدى خطبه «إن اضطهاد وقمع المرأة هو دائما وفي كل مكان يعتبر شيئا خاطئا»، أما بلير فقد صرح في خطابه، مبررا مشاركة جيشه في ضرب أفغانستان، قائلا «إن هذه الحرب التي سنخوضها هي حرب ضد أولئك الذي يمنعون الفتاة الأفغانية من الذهاب إلى المدرسة، ويجبرون المرأة على لبس البرقع، ويضربونها في شوارع كابول».
قبل بوش وبلير، وبالتحديد في سنة 1882، عندما سعت بريطانيا على يد اللورد كرومر إلى احتلال القاهرة، قال كرومر، واصفا المجتمع المصري «إن المجتمعات الإسلامية أدنى من المجتمعات الغربية، والشعب المصري يفتقد الحصافة والقدرة على استخدام المنطق، وهم بحاجة للقوة حتى يتبنوا الطريق الغربية للحياة»، ثم يضيف «إن أسوأ جانب في المجتمعات الإسلامية هو معاملتهم للمرأة، وإن السبب الأساس لتخلف المجتمعات الإسلامية هو اضطهادهم للمرأة، وإن الحجاب هو المعوق الأساس أمام تحضر هذه المجتمعات».
وعلى الرغم من هذه التصريحات فإن اللورد كرومر هذا هو نفسه من كان يعتقد، وبشدة، أن التعليم يجب أن يمنع عن المصريين لأنه قد يعطيهم الوعي بحقوقهم الوطنية ويذكي الأحاسيس القومية لديهم. كرومر هو نفسه أيضا الذي عارض تدريب الطبيبات المصريات وجادل بأن مكان المرأة هو البيت.
وفي عهد كرومر هذا، وعلى يد أحد رجاله، المستشار البريطاني لوزارة التربية والتعليم حينذاك دوجلاس دنلوب، منعت المصرية نبوية موسى من دخول امتحان الشهادة الثانوية، لا لشيء سوى كونها امرأة، وحامل شعارات حقوق المرأة والنظرة السلبية للمجتمعات العربية والإسلامية اللورد كرومر هو أيضا نفس الشخص الذي، عندما عاد لبلاده، أسس أول رابطة رجالية لمناهضة حقوق المرأة البريطانية.
بالنسبة لكرومر وأشباهه من الامبرياليين القدامى والمعاصرين، المرأة من الدول المسماة بـ «دول العالم الثالث» يجب أن تقهر، ولكن على الطريقة الغربية وبما يخدم المصالح الامبريالية، وبما أن التيارات المسماة بالنسوية في دول العالم المختلفة تعتبر تهديدا لقوة الرجل الأبيض فإنه تجب محاربتها، ولكن النسوية الغربية التي سوف تعزز قوتهم الامبريالية وتبرر أفعالهم الاستعمارية شيء مرغوب فيه ويجب تعزيزه.
مثال آخر لاستخدام حقوق المرأة لتبرير الهيمنة ، واستغلال الآخر، كان في الهند. فحاكم الهند البريطاني في تلك المرحلة ويليم بنتينك استخدم ممارسة «الساتي» (حرق بعض النساء الهنديات في جنائز أزواجهن) كمبرر لممارساته الامبريالية. فقد كتب في سنة 1829 معلقا على الموت الطقوسي ذاك، ومركزاً بشكل خاص على «الساتي» كتب قائلا: «أريد أن أضع نهاية لهذه الممارسة وأن أقدم للهنود أخلاقيات وقيما أكثر أصالة، قيما وتصورات ربانية»،
ثم يضيف، وبالرغم من كل ممارساته البشعة واضطهاده للشعب الهندي، «إن الهدف الأساس والأول الذي يسكن قلبي هو منفعة ورفاهية الهندوس». ولعلنا نتفق أن ممارسة طقس «الساتي» مجحفة بحق المرأة الهندية، ولكن الحملة التي قادها البريطانيون ضده لم تكن في الحقيقة من أجل المرأة الهندية، بقدر ما كانت تبريرات أخلاقية للبريطانيين من أجل فرض وإحكام السيطرة على الهند، وهذا ما تشهد به ملفات التاريخ.
إن المتتبع اليوم لأوضاع المرأة الأفغانية والمرأة العراقية تحديدا، يعرف حق المعرفة أن خطابات بوش وتابعه بلير ليست إلا شعارات جوفاء تستخدم كغطاء لتبرير اغتصابهم لحق الإنسان العراقي والأفغاني في الحياة الحرة الكريمة. فاليوم، وبالرغم من هذه الشعارات، المرأة، سواء في أفغانستان أو في العراق، لم تنل أي حقوق، بل على العكس من ذلك، هي في الحقيقة حرمت من أبسط حقوقها، وهو حقها في الحياة.
فبعد أن كانت المرأة الأفغانية أو العراقية، بشكل خاص، تمارس حياتها اليومية بشكل طبيعي، أصبحت معرضة للخطف والاغتصاب والقتل في كل لحظة تفكر فيها أن تمارس حقها الطبيعي في العيش أو القيام بحاجات نفسها أو حاجات أسرتها.
ولا ننس أن نذكر هنا أن هؤلاء النساء يتعرضن للاغتصاب من قبل من حمل السلاح واغتصب أرضهن وعرضهن، بحجة تحريرها، بشكل دائم، ناهيكم عن التدهور الحقيقي في أوضاعهن المعيشية. ولا بد من أن نذكر هنا أيضا، وعلى سبيل المثال، أن الأنظمة السابقة في العراق، وبالرغم من تحفظنا أحيانا على الكثير من ممارساتها، قد أعطت المرأة العراقية مساحة كبيرة لتحقيق ذاتها والمشاركة في بناء وطنها،
ولقد كان في العراق، وفي تخصصات معينة من النساء الحاملات لدرجات عليا من التعليم، ما يفوق عدد نظيراتهن حتى في الدول الأجنبية. أما اليوم فإن العدد الذي يتزايد من النساء العراقيات هن ممن يدفعهن الفقر إلى امتهان مهن مسيئة، بكل المعايير إلى كرامتهن وعزتهن، المعروف عنهن تمسكهن بها. هذه هي الوعود الديمقراطية التي جاء بها الاحتلال.
والمؤسف حقا أنه، وبالرغم من كل هذه الشواهد والحقائق الجلية لعين كل بصير، مازال الكثير منا يصدق نفس الأكاذيب ويعمل على تحقيق رغبات الامبريالية الغربية الحديثة، مكرراً ومردداً لشعاراتها وخطاباتها البعيدة كل البعد عن مصلحتنا كنساء. وأود هنا أن لا يساء فهمي ويعتقد البعض بأنني ضد حصول المرأة على حقوقها أو مشاركتها في الحياة السياسية والاجتماعية،
بل على العكس من ذلك فإنني أعتقد أشد الاعتقاد أنه من حق الإنسان، رجل كان أم امرأة، ممارسة كل الحقوق التي قد تحفظ له إنسانيته وكرامته، بما يتناسب مع احتياجاته الحقيقية التي يفرضها عليه واقعه، وليس بما يتناسب مع الأجندة الإمبريالية ويخدم مصالحها.
إن الحرية الحقيقة للمرأة لا يمكن أن تفرض بالقنبلة أو الدبابة، أو بالحرب والهيمنة، فشواهد التاريخ تقول إن كل تلك الشعارات كانت مبررات تساغ من قبل الدول الاستعمارية للوصول نحو أهداف أخرى، أهداف لا تقع كرامة الإنسان في دولنا، أو حقه في الحياة الحرة، ضمن أولوياتها. وبالمقابل فإن نيل هذه المطالب يأتي بالكفاح والنضال من قبل المعنيين بهذه الأمور أنفسهم، لذا، فعندما تروج القوى الإمبريالية لخطاب تحرير المرأة وحقوق المرأة، فليعلم كل غافل عن التاريخ أنها إنما تروج لمصالحها الاستعمارية، وليس من أجل خاطر عيون المرأة في عالمنا.
جامعة الإمارات