تعامل مع الخبر وكأنك قاضٍ.. واكتب التعليق وكأنك محام.. هذه هي القاعدة الذهبية الأزلية التي يشدد عليها على الدوام أساتذة الصحافة في الكليات والمعاهد الصحافية في أرجاء العالم. استذكرت هذه القاعدة وأنا أطالع مقالة للكاتب الصحافي خفيف الظل الأستاذ حسن فلفل ذي الخبرة المخضرمة والمتنوعة في الفنون الإعلامية يتحدث فيها عن الحياد المقدس في التعامل مع الأخبار في المؤسسات الصحافية بشقيها المطبوع والإلكتروني.

محرر الأخبار في أي وسيلة إعلامية ليس مطالباً بالطبع ألا يكون صاحب التزام سياسي معين في هذا الاتجاه أو ذاك، لكنه قطعاً مطالب على أساس المعايير الأخلاقية المهنية بألا يتعامل مع الروايات الإخبارية خلال عمله من منطلق أهوائه السياسية الذاتية.

بطبيعة الحال فإن الهدف من وراء إجراء عمليات جراحية على صيغ الروايات الإخبارية هو التضليل.. تضليل جمهرة القراء أو المشاهدين أو السامعين بإعطائهم حقائق منقوصة أو محرفة من أجل خلق انطباع مقرر سلفاً في أذهانهم.

وبينما تتعدد الحيل التي يمكن أن يستخدمها محرر الأخبار غير الحيادي فإن مثل هذه الحيل يمكن اكتشافها بصورة أوضح في الصحيفة أكثر منها في التلفزيون أو الراديو لأن القارئ متاح له إعادة تقليب الصفحات الإخبارية عدة مرات إذا شاء. بينما مثل هذه المراجعة ليست متاحة لمشاهد التلفزيون أوالمستمع إلى الراديو أن يسترجع النشرة الإخبارية التلفزيونية أو الإذاعية بأكملها كما يريد ـ إلا بالطبع إذا تفحص مواقع الإنترنت.

التضليل الإخباري في الصحيفة يقع على نوعين: الأول يتعلق بسياسة موضوعة وثابتة للصحيفة. والثاني يتصل بمبادرة فردية من محرر إخباري. النوع الأول تمارسه عادة الصحف الحكومية.. وهو ممارسة شائعة في معظم بلدان العالم. وفي هذه الحالة تكون الصحيفة أداة معتمدة رسمياً لأغراض التضليل الإعلامي المنظم بهدف تزييف الوعي الشعبي. ولهذه الغاية يبلغ التضليل أحياناً درجة اختلاق أخبار لا تستند إلى وقائع أو أحداث.

في النوع الثاني قد تكون السياسة الموضوعة للصحيفة قائمة على مبدأ الحيدة الإخبارية. لكن محرراً إخبارياً ما قد يستثمر حالة عدم انضباط في المؤسسة لممارسة التضليل الإخباري انطلاقاً من هوى سياسي معين.

والحيل التي تستخدم في هذا الصدد متعددة.. ومن أبرزها إسقاط رواية إخبارية بأكملها أو اللجوء إلى عملية جراحية يكون من شأنها تغيير مغزى الرواية الإخبارية سواء بحذف عناصر أساسية في الرواية أو إضافة عبارة أو عبارات لفظية ليست من أصل نص الرواية، أو التلاعب بما يطلق عليه «البروتوكول الإخباري»، وهو إعادة ترتيب عناصر الرواية الإخبارية بما يؤدي إلى تغيير جذري وشامل في مغزاها الإخباري.

غير أن التضليل الإخباري ـ وهو ظاهرة شائعة في العالم العربي ـ لا يمكن في عصر ثورة الاتصالات العالمية إلا أن يكون صادراً عن غباء، فمن خلال فضائيات عالمية بالمئات وشيوع إذاعات «إف إم» بالإضافة إلى التنافس الإخباري بين الصحف أصبح متاحاً للمواطن العربي المقارنة بين خدمة إخبارية وأخرى.