كان يوم أمس، الأحد، محطة متميزة في تاريخ العراق. فيه تقرر مصير رموز المرحلة السابقة. ومعه انطوت صفحة سياسية وأخرى قضائية، دار حولهما جدل واسع؛ على الساحات العراقية والإقليمية والدولية. ومن المتوقع أن تتواصل ردود الأفعال وحتى إشعار آخر. خاصة بصدد الأحكام التي صدرت. فعادة إقفال ملف محاكمة صاخبة من هذا النوع، يرقى إلى مستوى الحدث غير الاعتيادي.
بصرف النظر عن خواتمها وما يصدر عنها. وبالتالي من الطبيعي أن تكون الردود حولها ساخنة. سواء كانت مع أو كانت ضد. وخاصة إذا نطقت الأحكام بعقوبات كالتي تم إعلانها. وحتى لو كانت شبه متوقعة. المهم في الأمر أن تبقى هذه الردود في حدودها المقبولة؛ بحيث لا تزيد الطين بلة. فالبلد لم تعد عنده القدرة ولا الطاقة على فتح جبهات أهلية جديدة. نزفه وجروحه تهد الجبال. وليس بحاجة إلى مزيد منها. ثمة حقبة انتهت. كيف؟ هذا أمر متروك للعراقيين وللتاريخ.
الأهم من ذلك، هو أي عراق وأي مستقبل يريده العراقيون؟ بهذا المنظار يمكن تجاوز اللحظة المأزومة الراهنة. فالأجواء مشحونة بالقدر الكافي. الآونة الأخيرة شهدت من التصعيد والعنف الدموي، ما حمل الكثيرين ومنهم قيادات عسكرية أميركية، على التحذير من أن الوضع يندفع في اتجاه الفوضى المتفاقمة وتوسع دائرة الاقتتال الأهلي. هذا قبل أن تنتهي المحاكمة، إلى ما انتهت إليه.
الأمر الذي يقضي بتضافر جهود المخلصين من أبناء العراق، المدركين لحجم المخاطر والتحديات التي تهدده في الصميم، من أجل استعادة المبادرة، على الصعيد الأمني؛ بعد أن فلت حبله وبات يهدد بالخروج عن السيطرة كلياً. فهو يدنو من هذه التخوم. وثمة أياد كثيرة ومختلفة الغايات والمصالح، تدفع به في هذا الاتجاه.
ومثل هذا الخطر يهدده اليوم أكثر من أي وقت مضى. فكل الملفات الملتهبة هاجمة مع بعضها. والكوابح تتراخى؛ في حين تشتد نبرة خطاب الانقسام والتهويل بالأوراق الخلافية؛ بل بالمحظورات التي تمس وحدة البلاد وتماسكها. والمؤرق أكثر أن التأجيج وتفاقم ظاهرة التصفية على الهوية، يتوالى ويتصاعد؛ بالرغم من التوقيع على «وثيقة مكة»؛ التي انعقدت الآمال على هبوط منسوب العنف في أعقابها. وإذا به يبلغ درجات جنونية لم يسبق أن عرفها.
كما أن ذلك يتواصل في وقت تزداد فيه المساعي إلى عقد مؤتمر المصالحة. كأن ما يجري على الأرض لا علاقة له بما يجري على الطاولة أو في دائرة المساعي والمحاولات المبذولة لتبريد الأوضاع. يضاف إلى ذلك أن التدهور المتسارع يحصل عشية انسحابات، البعض قال إنها قد تكون مفاجئة وآخرون يرددون بأنها حاصلة مع دخول العام الجديد، للقوات الأميركية وترك العملية الأمنية بالكامل في عهدة القوات العراقية.
طبعاً المشكلة هنا ليست في الانسحاب، المرغوب حصوله؛ لكن في ما قد ينشأ من فراغ في ظل تواصل الخلاف المستحكم بين القوى العراقية، حول مسائل جوهرية لم يتم حسمها حتى اللحظة: من الأمن إلى الفيدرالية، مروراً بتعديل الدستور والاستفتاء حوله.
قائمة الاستحقاقات طويلة، في العراق. ولا شك أن العراقيين يواجهون ظروفاً بالغة الصعوبة والقابلية للالتهاب والانفجار. لكن قدرهم بأن يكونوا مفتاح الفرج، تجربتهم تؤكد ذلك. ومعاناتهم تهون إذا سلم العراق. وهذا بيت القصيد.