على خطى الدول العظمى، بدأت الصين رحلة الكشف عن حجمها وقدراتها المؤثرة في العالم، وقمتها مع الدول الأفريقية نموذج مختلف عن إدارة المهام الكبرى، ولعل دخولها القارة السوداء من زوايا مغريات الاستثمار، والتنازل عن ديونها للبلدان الأكثر فقراً، وطرقها أمراً حساساً مثل الصراع الدائر في دارفور، يعتبر إعلاناً عن قدوم الصين للعالم بدون تحفظات أو تردد.
فإذا كانت تسعى مع روسيا إلى تخفيف العقوبات على إيران، وإنذار كوريا الشمالية بعد تجربتها النووية بما يخرج عن إطار الدبلوماسية اللينة إلى مراعاة مصالحها مع الغرب، فإنها في هذه التحركات تبدي صورة القوة القادمة بمهارة تامة، مغريات اقتصادية، ودبلوماسية بعيدة عن التشنجات أو حوافز الحرب الباردة التي ماتت مع موت السوفيات.
إلى أين تتجه الصين؟ سؤال يدلي به كل العالم، فهي أغرقت أسواق العالم بسلع كانت احتكاراً على تلك الدول، واستطاعت أن ترفع أسعار الطاقة، والمواد الأولية من خلال حكم رأسه شيوعي وجسمه رأسمالي، وهي تجربة فريدة من نوعها في العالم، أن يجتمع أسلوبان متضادان، وأيدلوجيتان متعاديتان في دولة واحدة، لتصبح أسرع بلد نمواً في التاريخ.
أفريقيا، المتروكة تصارع الأمراض والجفاف، وتستغلها الشركات الغربية في شراء محصولها الزراعي بأقل الأثمان، واستنزاف ثرواتها بدون اكتراث لكل النتائج، بدأت الصين تدخل على هذا الخط بوعود قابلة للتنفيذ، ولعل حشدها لزعامات أفريقيا، بوصفة، التبادل الاقتصادي وإحياء القارة بلغة الأرقام، والعمل المباشر ضمن استراتيجية طويلة الأمد، يؤكد أن الصين تنظر للقارة الفقيرة بمنظار المنجم الكبير لصادراتها الرخيصة جداً، والتي أصبحت بمتناول الفقراء بأن تكسر قاعدة الاحتكار، وتضيف إلى دخلها أرقاماً أخرى كبيرة من هذه الدول.
وحتى بُعدها عن السياسات الحادة في مناطق النزاع العالمي، لابد أن يجعلها تفرض نفسها برصيد صداقاتها مع دول العالم الثالث، بمعنى أنها ستترك الحياد، أو سباق الجياد الجامحة، إلى الدبلوماسية المرنة، أي كسب الجميع بدون تنازلات أو أضرار تلحق بها، وطبيعي أن تقرن أهدافها المرحلية بمستقبلها القادم، مما يؤكد أن تغيراً عالمياً مسيطراً على كل شيء سببه المباشر عودة الصين بأجنحة تحلق بها لكوكب الأرض.
من غير الممكن معرفة ما ستؤول إليه المنافسات بين القوى الكبرى، لكن الصين محسودة ومخيفة أن تباشر سياسة جديدة بمضامين تختلف عن كل ما شهده القرن الماضي، أي أن الحروب منطق محرم، إلا تحت أقسى الظروف، ولا يعني هذا أن لا تكون قوة عسكرية متقدمة مثلما هي قوة اقتصادية، وإنما معالجة هذه الأشياء ضمن خط تصاعدي يضعها على لائحة الدول الشاملة في كل خطاها، ومنافذها.
الصين حالة فريدة في تراثها، وفكرها، وزلزال عالمي في بروزها على الخارطة الكونية، وهي في كل الأحوال نموذج جديد لعالم يتشكل.