يذكر المشهد العراقي الراهن بمسرح اللا معقول فكأنما قدر العراقيين دائماً هو الخيار بين الحياة في ظل القمع أو تحت الانفجار، بين سجن المجتمع وتغييبه من قبل الدولة باسم العقائد الكبرى وبين سقوط الدولة واندثار وتفتت المجتمع، بين السلطوية القاتلة والخانقة تحت عنوان الاستقرار والأمن كما كان الوضع عليه في زمن صدام حسين وبين الفوضى الشاملة تحت عنوان الديمقراطية والحرية.

هروب وهجرة إلى الخارج لمن ينجح في ذلك ونزوح في الداخل لتصبح الأحياء والمناطق ذات لون واحد فتعدم الذاكرة الوطنية المشتركة ومعها المستقبل المشترك. لغة العنف والإقصاء والخوف والتخويف والقطيعة والانغلاق والتقوقع صارت اللغة المسيطرة على الجماعات المكونة للعراق بعد ان احتلت قوى الهويات «الأصلية» وحدها الفضاء السياسي العراقي.

القوى التي فتح لها الاحتلال الباب واسعاً وكرسها على أرض الواقع وحيدة وهمش بسياساته القوى والشخصيات والرموز العابرة للطوائف العراقية الوطنية بمفهوم الاجتماع السياسي وليس بمفهوم العناوين العقائدية الفارغة أو المدعية لذلك فيما سلوكيات أبنائها في اتجاه مغاير.

العراق تحول أخيراً إلى فيتنام أميركية جديدة بعد ان عاد هذا المفهوم والسيندروم الذي يرافقه ليستقر في الخطاب السياسي الأميركي والعراق الذي يبشر بنهاية «اللحظة الأحادية» الأميركية في العالم والعراق الذي فرض ذاته بقوة على الأجندة الانتخابية الأميركية، من أبرز مظاهر هذا الوضع ان لجنة بيكر هاملتون قررت عدم نشر توصياتها حول كيفية الخروج من المستنقع العراقي قبل نهاية الانتخابات حتى لا تؤثر هذه التوصيات في الانتخابات أو لا تستعمل كورقة انتخابية عند البعض.

والعراق الذي يهدد بجر القوى الإقليمية والعربية إلى مزيد من الحروب بالواسطة والى الغرق في المستنقع العراقي. والعراق الذي في حالته الراهنة يشكل نموذجاً ساطعاً عن حالة العجز العربي .

والذي يغذي صراعات مذهبية تنتشر في العالم العربي بعد ان كانت غائبة أو ضعيفة في عهد الهويات والتيارات التحديثية الجامعة في العالم العربي، هذا العراق يهدد بالانفجار الكلي وبنشر شظاياه في الجسم العربي والإسلامي الأوسع، سياسة أو عنفاً ولكن بأي حال تقطيعاً لأوصال هذا الجسم وتهديداً للسلم المجتمعي في دولة تحت عنوان ما صار يعرف بمرض العرقنة.

توصيات بيكر هاملتون التي تعرض عدة خيارات أمام العراق لا تحمل جديداً من حيث خياراتها المختلفة باعتبار ان كل هذه الخيارات مطروحة في الحوار الدائر في العراق وحول العراق، لكن جديدها وأهميتها تتمثل في هوية وموقع أصحاب التقرير الذين يتحدثون في بعض جوانبه عن ما كان بمثابة محرمات في السياسة الأميركية حول العراق.

الانسداد الكلي الحاصل، خطر السقوط في حرب أهلية مفتوحة وكلية، الفشل الذريع للسياسة الأميركية في العراق، والدخول في لعبة الدوران في حلقة مفرغة ومحاولة إحداث تعديلات طفيفة وإعادة تموضع أميركي محدود وتضارب التصريحات الأميركية وتناقضها حول كيفية إدارة الشأن العراقي كلها تدل على مسرح اللا معقول في العراق.

المشهد العراقي مفتوح حالياً على الاحتمالات التالية: أولاً ما يعرف بخيار شمشوم أو التهديد بالانسحاب الكلي للولايات المتحدة من العراق كما أخذ البعض في واشنطن بالدعوة لذلك كورقة ضغط ربما ولكن دون تأثير واضح على كل الأطراف العراقية.

خيار من هذا النوع يعني عملياً حرباً مفتوحة في العراق في ظل الظروف القائمة والقوى المسيطرة قد تكون لها تأثيراتها العنيفة خارج الحدود العراقية لكنها ستعني أيضاً سقوطاً مدوياً للمكانة الأميركية والإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط مع تداعيات سلبية مختلفة على وضع واشنطن في المنطقة، انه نوع من التهديد الفاقد لكل مصداقية.

ثانياً، حكم عسكري انقلابي أو الدعوة إلى فرض نظام سلطوي يسميه البعض بالسلطوية المخففة مقارنة مع النظام الذي كان قائماً في زمن صدام حسين، لكن هذا الطرح يواجه مشكلتين أساسيتين أولهما على الصعيد المبدئي إذ يعني إسقاط عنوان دمقرطة العراق وجعله نموذجاً في الشرق الأوسط الجديد .

وهو عنوان قد سقط فعلاً على أرض الواقع، لكنه بقي شعاراً فضفاضاً ولو انه شعار أخذ بالتراجع على مستوى الخطاب السياسي الأميركي، لمصلحة اعتماد لغة الأمس ونموذج الأمس الذي تحاربه واشنطن في سياستها «الجديدة» منذ 11 سبتمبر.

وثانياً والأهم انه من المستحيل تحقيق ذلك على الصعيد العملي لعدم قدرة أي قوة انقلابية في ظل الانشطار المجتمعي والمليشياوي والعسكري القائم أن تسيطر على كل أنحاء البلاد، فستبقى حدود سيطرة هذا النظام الانقلابي العسكري إذا حصل في حدود المربع الأمني القائم حالياً أو ربما أوسع بقليل.

ثالثاً، تقسيم مبطن كأن تستمر الدولة كدولة صورية في المربع الأمني وعلى صعيد التمثيل الخارجي مع حصول تلزيم أمني سياسي لقوى الأمر الواقع كل في منطقة وجودها. تلزيم يقوم على مبادلة اعتراف الأمر الواقع بتوفير الحد الأدنى الممكن من الأمان والسلام.

فتستمر أوصال الدولة مقطعة وتستمر إقامة الجدران بين المكونات الاجتماعية المختلفة في العراق، وهو حل يبقى مرحلياً وجاهزاً للسقوط مجدداً في الحروب المدمرة. رابعاً، استمرار الوضع الراهن الذي يعني عملياً صوملة تدريجية للمجتمع العراقي وتفتته واندثاره في حروب ذات اشكال وطبائع مختلفة.

خامساً، التقسيم المقنن الذي يعني عملياً قيام دول مستقلة ترث العراق الحالي وهو كلام يتردد بخجل عند البعض وكخيار بعيد عند البعض الآخر إذا ما استمر الانسداد القائم، لكنه خيار إلى جانب الاعتبارات الأخلاقية السلبية بتقسيم العراق يحمل كثيراً من المخاطر المستقبلية حول استقرار الدول «الجديدة» التي قد تولد من العراق بسبب صعوبة قيام دولة اللون الواحد في مناطق عديدة وبسبب صعوبة الوضع الجيوسياسي لهذه الدول للاستمرار كدول قابلة للحياة.

سادساً، العراق الفيدرالي وهو الأمر المطروح لكن نجاح الفيدرالية يرتبط أساساً وقبل كل شيء بطبيعة العلاقة التي ستقام بين السلطة المركزية وبين الأقاليم المكونة للدولة.

فإذا كانت هنالك خصوصية لشمال العراق، مع تسوية مشكلة كركوك التي تبدو وكأنها أم المشكلات وذلك على طريقة نموذج مدينة بروكسيل كما يقول الرئيس جلال الطالباني، فان الوضع في بقية المناطق يبقى مختلفاً بسبب التداخل السكاني وقد يؤدي إلى انفجارات مستقبلية بين أطراف الجماعة الاجتماعية الواحدة لأسباب سياسية واقتصادية.

كما ان الفيدرالية لا تعني «تشليح» السلطة المركزية من كل مهامها الأساسية وصلاحياتها وقدراتها، باعتبار ان الحفاظ على أي دولة حتى لو فيدرالية يفترض وجود مركز قوي لإدارة الدولة ولإدارة السياسة الخارجية والدفاعية والأمنية وللحفاظ على توازن السلطات، وأيضاً للإشراف على توزيع القدرات بين مختلف الأقاليم حفاظاً على التنمية الوطنية الشاملة.

الخيار الأخير هو الخيار التحدي الذي يحفظ مصلحة العراقيين والعراق ومصلحة الاستقرار والسلم الإقليمي والدولي. لكن نجاح هذا الخيار يتطلب الاعتراف من قبل الجميع داخلياً وخارجياً بالواقع المرير القائم حالياً والانطلاق من المسلمات التالية:

انه لا يمكن لطرف خارجي أو داخلي ان يسيطر وحده على العراق أياً كان العنوان الذي يحاول ان يختبئ وراءه لتلك السيطرة، وثانياً ان الطمأنة المتبادلة لكل الجماعات العراقية على موقعها وحاضرها ومستقبلها وتوفير شبكة الأمان لكل المكونات الوطنية العراقية أمر ضروري لمشاركة الجميع في عملية البناء الوطني العراقي.

وثالثاً ان المطلوب عقد مؤتمر حوار وطني سواء سمي مؤتمر مصالحة أو وفاق للبحث على أساس شبكة الأمان هذه والضمانات المكونة لها في بناء العراق الجديد في علاقة الفرد بالدولة وعلاقة المؤسسات المركزية بالإقليمية .

وفي معنى الحريات العامة والفردية وكيفية حمايتها وفي حقوق الفرد والجماعة، ورابعاً ان المطلوب مؤتمر دولي إقليمي تشارك فيه دول الجوار العراقي والقوى الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والقوى الإقليمية والقوى العربية الرئيسية إلى جانب المنظمات الدولية والإقليمية المعنية من أجل مواكبة وتشجيع ودعم عملية البناء الوطني العراقي التي يفترض ان تقوم على إعادة بناء مؤسسات المجتمع وعلى إعادة بناء الدولة في إطار هذه المسلمات المذكورة.

دون ذلك سيسقط العراق في منطق التقسيم المبطن الذي لا تعرف نهايته وقد يتحول إلى التقسيم المقنن الذي يؤسس لمآس جديدة. تقسيمان يحملان تداعيات كارثية للمنطقة.

كاتب لبناني