طبق الإخفاق في العراق سيكون الأشهى على مائدة الانتخابات التشريعية الأميركية التي يفصلنا عنها يومان، في ضوء استطلاعات الرأي التي تتوقع استغلال الديمقراطيين الورطة الجمهورية بقيادة الرئيس جورج بوش في أرض الرافدين، في استعادة سيطرتهم على الكونغرس بعد 12 عاماً من الجلوس في مقاعد الأقلية.
ووسط تحذير بعض الديمقراطيين من الإغراق في التفاؤل بنصر سهل على الجمهوريين، شكل الملف العراقي واحداً من المرتكزات الأساسية في سياق الحملة الانتخابية التي وجه خلالها الديمقراطيون انتقادات لاذعة لإدارة بوش، كما بذلوا قصارى جهدهم لربط المرشحين الجمهوريين بسياسة الرئيس الخارجية، بعد ان اعترف بوش نفسه بتشابه بين ما يجري في العراق وبين ما واجهته القوات الأميركية في فيتنام في نهاية ستينات القرن الماضي.
مدافع الديمقراطيين الثقيلة التي قصفت الاتهامات ودمغت الاستراتيجية الأميركية في العراق بالإخفاق والمطالبة بتغييرها، أجبرت بوش على النزول إلى الملعب والقيام بجولات انتخابية في العديد من الولايات دعماً للمرشحين الجمهوريين باعتباره محترف دعاية، وقادراً على صنع المعجزات التي يحتاجها حزبه لعبور النفق المظلم، أو مواجهة أكثر من عامين في الحكم تحت رحمة غالبية ديمقراطية مناهضة لسياساته وخاصة في الملف العراقي.
وإزاء تمسك بوش بوزير دفاعه دونالد رامسفيلد الذي يتحمل المسؤولية الأكبر عن تدهور الوضع في العراق وجد بوش نفسه في مرمى نيران الديمقراطيين، وعلى سبيل المثال اعتبرت نانسي بيلوسي النائبة الديمقراطية التي ستصبح رئيسة مجلس النواب في حالة هيمنة الديمقراطيين على المجلس «ما أعلنه الرئيس بوش عن رغبته في الاحتفاظ بالوزير رامسفيلد في منصبه حتى انتهاء فترة رئاسته يؤكد استمرار السياسات الفاشلة التي أرسلت قواتنا إلى العراق دون معدات كافية ودون خطة لإكمال المهمة».
بوش من جانبه لم يقف مكتوف الأيدي وراح يتهم الديمقراطيين بعدم امتلاك استراتيجية للتعامل مع الوضع في العراق، وان جل ما سيفعلونه هو «الفرار» أو «الهروب» قبل اكتمال «المهمة». وقال في إحدى جولاته الانتخابية «ان معظم الجمهوريين يفهمون انه إذا رحلنا قبل ان نكمل المهمة ستكون أميركا أقل أمناً».
كما رصد عدد من المحللين «تبنى الديمقراطيين استراتيجية مزجت بين ترك الحرب ومعالجة بوش لها تتحدث عن نفسها مع تحاشيهم طرح اقتراحات محددة تجعلهم عرضة للانتقادات من جانب الجمهوريين. وفي نفس الوقت قللوا من أي دور يمكن أن يلعبه الكونغرس في التأثير على السياسة الخارجية والأجندة العسكرية للرئيس».
ومن هنا فان البعض لا يتوقع من الغالبية الجديدة في حال فوز الديمقراطيين، تغيراً كبيراً في الموقف من الملف العراقي في ضوء تأكيد الزعماء الديمقراطيين على حق الرئيس في إدارة دفة السياسة الخارجية.
حيث أكد هوارد دين رئيس الحزب الديمقراطي «إن الرئيس سيظل هو المسؤول عن السياسة الخارجية والجيش ومن ثم فإن نفوذ الديمقراطيين في حالة سيطرتهم على الكونغرس سيكون إيجابياً ولكني لا أتصور أننا سنجبر الرئيس فجأة على مراجعة نهجه».
بل أكثر من ذلك قوله «إننا لا نستطيع أن نقرر متى سنعيد قواتنا إلى أرض الوطن فهذا شأن الرئيس». وهو موقف يتناقض مع حض كبار الديمقراطيين على مدى العام الماضي بوش على تحديد إطار زمني لسحب الجنود الأميركيين من العراق.
وبرر الديمقراطيون موقفهم الرامي لتحاشي طرح مواقف محددة تحت عبارات من نوع «ان العراقيين بحاجة لتحمل قدر أكبر من المسؤولية عن الأمن والعمل باتجاه توحيد البلاد تفادياً للصراع الطائفي» من دون ان يقدموا صورة واضحة لكيفية إخراج العراقيين من المأزق الذي وضع الأميركيون بلادهم فيه.
نحن إذن إزاء معركة انتخابية فرض التدهور الأمني واكتشاف كذب مبررات الحرب مثل البحث عن أسلحة الدمار التي لم يعثر عليها، بثقلهما بعد ثلاثة أعوام ونصف العام من الغزو ومقتل ما يقارب ثلاثة آلاف جندي أميركي خلالها، ناهيك عن الأرقام التي تحدثت عن مقتل ما يقارب 700 ألف عراقي وتهجير مئات الآلاف من العائلات قسراً خشية القتل على الهوية الطائفية من دون أن نرى شمعة في الدهليز المظلم.