بالأمس كان اجتياح لبنان والعدوان عليه، واليوم يستعد الغزاة لاجتياح غزة، وفي كلتا الحالتين فإن الذريعة هي الذريعة، إطلاق سراح جنود أسروا في معركة حربية محضة، وفي كلتا الحالتين فإن ما يسمى بالمجتمع الدولي لاسيما الحر والمتمدن منه يقدم المبررات والذرائع الإضافية ويسميها :

«دفاعاً عن النفس»، يتباهى عساكر الغزاة أنهم قتلوا أكثر من ألف في لبنان ثم يتباهى سيدهم أنهم قتلوا أكثر من 300 «إرهابي» منذ أسر الجندي جلعاد في غزة لوحدها، والعالم بأسره يشهد منهم هؤلاء «الإرهابيين» الذين أمر أولمرت بقتلهم: انهم ليسوا سوى المدنيين الأبرياء من نساء وأطفال فلسطين، كيف إذن بعد كل ذلك نصبح نحن الإرهابيين وهم رعاة السلام الذين يدافعون عن أنفسهم!

ألا يعرف سادة المجتمع الدولي الذي يطالبنا صباح مساء بالالتزام بالقرارات الدولية وضرورة تطبيقها بحذافيرها بأن هذه المقررات هي نفسها التي تسمح لنا بالدفاع عن أنفسها في مواجهة الغازي المحتل وتمنعه من مهاجمة المدنيين الأبرياء، بلى انهم يعرفون ذلك تماماً، لكنهم مصرون على مجافاة الحقيقة .

ولا يبحثون إلا عن مصالحهم ومنافعهم الآنية والعاجلة الخاصة التي توفر لهم المزيد من مساحات النفوذ والهيمنة ونهب ثروات ومقدرات العالم لضمها إلى ساحة إمبراطوريتهم التي يسعون إلى توسعتها أياً كانت الأثمان التي يدفعها الآخرون ولو سقطت كل المقررات والمعاهدات والقيم والمعايير الإنسانية عند بوابات الدويلة المدللة إسرائيل.

هكذا كانوا دوماً، وهكذا سيبقون، انظروا إلى سوابقهم في ملفات مماثلة، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وهم يجهزون هذه الدويلة المزروعة بقوة الاغتصاب والاحتيال فوق أراضيها بكل أنواع أسلحة الدمار الشامل وعلى رأسها ترسانة نووية تضم أكثر من مئتين قنبلة نووية، بينما حرموا مصر العرب والمسلمين من حق اقتناء الطاقة النووية للأغراض السلمية.

ودمروا العراق بذرائع كاذبة وملفقة حول أنواع من أسلحة الدمار الشامل وفككوا التكنولوجيا الليبية ويحاولون اليوم محاصرة إيران بالإعلام والسياسة والدبلوماسية والمناورات العسكرية بحجة منع الانتشار النووي.

وبالمناسبة فإن الدويلة المدللة المزروعة غصباً غير موقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية بينما إيران وغيرها من العرب والمسلمين المحاصرين موقعون ومن أوائل الداعين إلى «شرق أوسط» خال من كل أنواع أسلحة الدمار الشامل.

هل تبقى بعد كل ذلك أية مصداقية لمثل هذه الدبلوماسية التي تكيل بمكيالين؟

ثم يسألون أيضاً وبكل استغراب : لماذا يكرهوننا؟

وبالمناسبة وهم يسألون هذا السؤال لا تنفك صحفهم وإذاعاتهم ووسائل إعلامهم المختلفة بل وجامعاتهم وفلاسفتهم ورجال دينهم من اتهامنا بل واتهام ديننا بالإرهاب وثقافة العنف، بل ويتمادون حتى باتهام نبينا نبي الرحمة والسلام بأنه قاطع طريق.

وينسون أن «حاخاماتهم وقساوستهم» هم الذين نظروا لحروب صليبية قديمة وحديثة، ليس آخرها مجازر الأطفال في قانا وغيرها من قرى وبلدات الجنوب اللبناني الصابر والمحتسب وغزة المستباحة على الطريق.

عندما كان العرب والمسلمون في فلسطين ولبنان يهاجمون العدو في مواقعه الخلفية في البلدات والمدن الفلسطينية، والتي هي ليست سوى معسكرات احتياط للجيش الغازي كنتم تتهمونهم بقتل المدنيين والأبرياء، واليوم وعندما يأسرون جنودهم في عمليات حربية محضة تجبنون في الميدان وتهاجمون قرانا وبلداتنا الخلفية وتفخرون بأنكم تقتلون إرهابيين.

والعالم المتمدن والحر يصفق لكم ويقدم لكم الذرائع والمبررات، فهل تعتقدون بعد كل ذلك أن شيئاً من «المصداقية» قد بقي لكم في أذهان وقلوب وعقول شعوبنا؟!، لقد سقطتم في كل الاختبارات ولم يبق أمامكم إلا حزم حقائبكم والرحيل!

نعم، هذا هو الخيار الوحيد المتبقي لكم في التعامل معنا؛ وهذا هو ما تشير إليه تقارير من سندتم إليهم التحقيق مؤخراً في العراق بالمناسبة، ولو أرسلتم المزيد من الموفدين إلى كل الساحات العربية والإسلامية حتى غير المتنازعة بشكل مباشر معكم لخرجتم بنفس النتائج؛ صدقوني، وعندها ستعرفون لماذا يكرهونكم.

لقد قال يوماً أستاذ جامعي إماراتي محاضراً في إحدى الندوات الإقليمية في الكويت: «لقد أصبحتم صداعاً دائماً ومزمناً لنا، لا يفيد في علاجه أي نوع من أنواع الأسبرين، ارحلوا إذن حتى نستعيد راحة البال ويزال الصداع من المنطقة كلها..».

وبالفعل فقد صدق الدكتور عبدالخالق عبدالله عندما اكتشف مبكراً مثل هذا الدواء؛ إذا كنتم تريدون «الإبقاء على شعرة معاوية» معنا كما يقول المثل، فاحزموا حقائبكم وارحلوا سريعاً قبل أن يصبح حتى مثل هذا الأمر عسيراً ومزيداً من الصداع لنا، ارحلوا ما دمنا منقسمين بين «متطرفين» و«معتدلين» .

وما دام ثمة من يتبرع لتغطية انسحابكم، استثمروا هذه اللحظة والفرصة التاريخية الثمينة، كما يقول الأمين العام لحزب الله في لبنان قبل فوات الأوان.

لا تثقوا بمن ينصحكم بعكس ذلك مهما قدم لكم من كلام معسول أو حجج أو ذرائع أو مبررات لمزيد من البقاء، إنه لا يفكر إلا في تمديد أيام بقائه مرتبطاً بحبل سرتكم أياماً معدودات أخرى ولا غير، أما أنتم فأي يوم إضافي من بقائكم محتلين وغزاة لأراضينا إنما ستزيدون ليس فقط «الكراهية» التي تستغربون، بل تحفرون قبوركم بأيدكم وأيدي المؤمنين! ونترككم وشأنكم لتقدروا وتختاروا أي الفريقين تُصدقون!

كاتب إيراني