ربما يكون العديد من قيادات الحز ب الوطني ونوابه البرلمانيين قد فوجئوا أثناء لقائهم الأخير بالرئيس مبارك قبل افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة بإعلان الرئيس عن موافقته على تعديل جديد للمادة 76 من الدستور الخاصة بشروط ترشيح رئيس الجمهورية.
ولكن الحقيقة أن الأوساط السياسية كانت تنتظر أن يتدخل الرئيس وأن يفتح الباب لهذا التعديل بعد أن كانت التعديلات السابقة لهذه المادة من الدستور قد أفرغت الخطوة الدستورية الهامة (بالانتقال من اختيار الرئيس بنظام الاستفتاء إلى الانتخاب المباشر) من معناها الحقيقي وكرست انفراد الحزب الوطني وحولت باقي أطراف اللعبة السياسية إلى كومبارس. وهو أمر لا يمكن الإبقاء عليه في أي عملية ديمقراطية سليمة.
وكان الرئيس مبارك قد فاجأ الجميع في العام الماضي باقتراح تعديل هذه المادة بما يتيح أن يكون اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب المباشر بين أكثر من مرشح. ويومها ثارت آمال كبيرة بأن يكون القرار نقله حقيقية على طريق الإصلاح السياسي تنهي عهد الحزب الواحد وتفتح الأبواب أمام تداول السلطة التي هي جوهر العملية الديمقراطية.
لكن ما جرى بعد ذلك قطع الطريق على هذه الآمال، حيث انبرت القوى الرافضة للإصلاح الحقيقي تدافع عن مواقفها وتحاول إجهاض مبادرة الرئيس من خلال الصياغة التي تمت للتعديل الدستوري.
وأتذكر أنني دعيت من مجلسي الشعب والشورى للمشاركة في الحوار الدائر حول التعديل، وذهبت إلى المجلسين وكان اقتراحي محدداً: أن يقتصر التعديل الدستوري على أن انتخاب رئيس الجمهورية يجري عن طريق الاقتراع السري العام المباشر بين أكثر من مرشح على أن يترك للقانون وضع الشروط التي يجب توافرها في المرشح وبشرط أن تكون هذه الشروط ضماناً للجدية وليست شروطاً تعجيزية. وكان هناك اتفاق على أن هناك حالة استثنائية تواجه الجميع .
وهي أن انتخابات الرئاسة ستجرى بعد شهور، وان الأحزاب والقوى السياسية غير مستعدة، ومعظمها غير قادر على خوض الانتخابات، والدليل ان مجلس الشعب لا يضم إلا عدداً لا يجاوز أصابع اليدين من النواب المنتمين لأحزاب الوفد والتجمع والناصريين بالإضافة إلى «المستقلين» ومعظمهم من الأخوان المسلمين.
ومن هنا كان الاتفاق على أن يتاح لكل الأحزاب بصفة استثنائية ان ترشح أحد قياداتها على ان يكون الترشيح في الانتخابات التالية قاصراً على الأحزاب الممثلة في البرلمان بالعدد المطلوب من النواب، وكان اقتراحي ان يكون القانون مخصصاً للتعامل من الانتخابات التي جرت بعد شهور.
والتي كانت نتيجتها في كل الأحوال محسومة لصالح الرئيس مبارك، على ان يتم الإعلان عن تشكيل هيئة تأسيسية للنظر في تعديل الدستور أو إنشاء دستور جديد خلال عام أو عامين، لتجرى الانتخابات القادمة لمجلسي الشعب والشورى ولرئاسة الجمهورية على أساسه، لكن الأمور جرت على نحو مخالف، وصدر التعديل الخاص بالمادة 76 ليجعل منها أعجوبة دستورية، سواء في حجمها أو فيما تضمنته من تفاصيل مكانها الصحيح في القوانين أو اللوائح التنفيذية.
أو من شروط اعتبرتها باقي القوى السياسية شروطاً تعجيزية في ظل الأحوال البائسة لأحزاب المعارضة وفي ظل الوضع الإشكالي لجماعة الإخوان المسلمين «المحظورة» من الناحية القانونية والتي يمثلها في مجلس الشعب أكثر من ثمانين نائباً باعتبارهم «مستقلين»!!
ولقد جرت انتخابات الرئاسة بعد ذلك، وأتاحت الاستثناءات التي وضعت للمرة السابقة أن يتقدم عدد من رؤساء أحزاب لم يسمع بها المصريون اكتفوا من الأمر بالدعم المادي الذي وفرته الدولة وبالظهور في التلفزيون وبأصوات العائلة والجيران!! ولكن كان هناك مرشحان حقيقيان بجانب الرئيس مبارك هما الدكتور نعمان جمعه (الوفد) وأيمن نور (الغد) .
ورغم الحملة الإعلامية الجيدة للدكتور نعمان جمعه فقد جاءت به النتائج في المركز الثالث وهو الأمر الذي كشف انحسار القواعد الانتخابية لحزب الوفد في الأقاليم، وأتاح بعد ذلك الفرصة لانقلاب داخل الحزب أطاح بالدكتور نعمان بعد معارك وصل فيها الأمر لإطلاق الرصاص وسقوط مصابين في مقر الحزب. بينما انتهى الأمر بالمرشح الآخر ايمن نور إلى السجن في جريمة تزوير خاصة بالتوكيلات المطلوبة لإنشاء الحزب!
بعد إعادة انتخاب الرئيس مبارك طلب من مجلس الشعب والشورى دراسة إجراء تعديلات دستورية عديدة لم يكن بينها ما يتعلق بالمادة 76، وإنما كان أهمها ما يتعلق بنظام الانتخابات البرلمانية وهل يستمر بالطريقة الفردية كما هو الأمر الآن أو يتغير إلى نظام القوائم لضمان تمثيل أكبر عدد من الأحزاب. وكذلك توسيع اختصاصات رئيس الوزراء ووضع مجلس الشورى وهل تتوسع اختصاصاته أم يظل كما هو.
ورغم ان الأحزاب رأت في هذه الطريقة محاولة لانفراد الحزب الوطني بإجراء التعديلات الدستورية، و طالب العديد منها بتشكيل هيئة تتولى إعداد هذه التعديلات التي لابد ان تتم بالوفاق بين كل الأطراف، إلا ان الأحزاب الرئيسية قدمت مقترحاتها التي لم تقتصر على المواد التي طلب رئيس الجمهورية تعديلها، بل امتدت لغيرها من المواد وأهمها المادة 76 الشهيرة .
حيث أنها بصورتها الحالية تشترط ان يكون للحزب الذي يريد ترشيح أحد قياداته لرئاسة الجمهورية أعضاء منتخبون في كل من مجلسي الشعب والشورى لا تقل نسبتهم عن 5%. وهو شرط قالت المعارضة انه شرط تعجيزي في ظل سيطرة الحزب الوطني على الأغلبية في المجلسين الحاليين.
وحيث لا يملك أي حزب مثل هذه النسبة. مما يعني انفراد الحزب الوطني بالترشيح للرئاسة إذا جرت في ظل الظروف الحالية وهو أمر محتمل. ومع ترجيح استمرار هذه الأوضاع إذا جرت انتخابات جديدة للبرلمان حيث يبدو حصول أي حزب معارض على هذه النسبة أمراً صعباً.
لكن المحاولة التي أثارت الاهتمام جاءت من المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي تعرض في الأسابيع الماضية لحملة شعواء باعتبار انه تجاوز دوره بتقديم مقترحات لتعديل الدستور، خاصة ان هذه المقترحات تناولت المادة 76 بما يتيح مشاركة واسعة للأحزاب والأفراد. كذلك المادة 77 حيث طالب بتحديد بقاء الرئيس في منصبه بمدتين اثنتين فقط.
وحتى الآن لا يبدو ان هناك تحمساً رسمياً لتعديل المادة 77، وفي المقابل كان هناك الإعلان من الرئيس مبارك بالموافقة على تعديل بالمادة 76 الأمر الذي مثل المفاجأة لنواب الحزب الوطني أنفسهم ولقيادات سياسية وإعلامية ركزت جهدها في الفترة الماضية في مهاجمة كل من يقترب من هذا الخط الأحمر !
لكن هل يعني فتح الطريق لتعديل جديد لهذه المادة الأساسية في أي إصلاح دستوري ان كل ما حدث من أخطاء في التعديلات التي تمت في العام الماضي سيتم تلافيها، وأن اتفاقاً عاما سيتم على ذلك.. أم ان للتعديل القادم حدوداً سوف تبقيه في دائرة المؤقت؟
الملاحظ ان الحديث الرسمي يدور عن «تعديل لزيادة فرص الأحزاب في المشاركة في الانتخابات الرئاسية» ويمكن أن يتم ذلك بتخفيف الشروط على الأحزاب بأن يكون الترشيح من حق قيادات الأحزاب التي لها تمثيل في أحد المجلسين النيابيين ولو بمقعد واحد.
و هو الأمر الذي سيكون متاحاً لعدد أكبر من الأحزاب بعد الانتخابات القادمة إذا تقرر ان تكون بالقوائم النسبية وهو المرجح. ويمكن ان تعطي باقي الأحزاب الغير ممثلة في مجلسي البرلمان الحق في تقديم مرشح للرئاسة إذا استطاعت جمع عدد معين من التوقيعات ضماناً للجدية.
لكن المشكلة ستبقى في «المستقلين» وحقهم في الترشيح، وهو أمر كان من السهل التعامل معه لولا قضية «الأخوان المسلمين» الذين يخوضون الانتخابات باعتبارهم «مستقلين». ويعاملون تحت قبة مجلس الشعب الذي يملكون حوالي 20% من مقاعده باعتبارهم «مستقلين» ويتعرضون للمساءلة القانونية إذا مارسوا أي نشاط تنظيمي باعتبارهم أعضاء في الجماعة التي مازالت «محظورة» أمام القانون!
هذا الوضع اصبح وضعاً معطلاً لعملية الإصلاح ويحتاج للحسم حتى لا يكون سببا في إهدار فرصة الإصلاح الحقيقي. والموقف الرسمي للدولة يستند إلى الدستور والإجماع الوطني في رفض أي حزب ديني.
وفي المقابل كان موقف «لإخوان المسلمين» قد تطور بعد ما حققوه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وطرحت بعض قياداتهم فكرة إنشاء حزب سياسي مدني له مرجعية إسلامية، لكن هذه الفكرة تراجعت بعد ذلك انطلاقا من الاعتراض داخل الجماعة على أن يكون التصريح بإنشاء الحزب أو عدمه من اختصاص لجنة الأحزاب التي يرأسها أمين الحزب الوطني بوصفه رئيساً لمجلس الشورى.
وفي كل هذه الأوضاع التي تحتاج للحسم، يبدو الطريق مفتوحاً لإزالة القيود على مشاركة الأحزاب في الانتخابات الرئاسية، ويظل الخلاف على شروط ترشيح المستقلين. لكن الأمر لا يقتصر على هذا الجانب، فالتعديلات الدستورية ستتناول عدداً كبيراً من المواد الأخرى، ربما يكون أهمها ما يتعلق بالانتخابات البرلمانية التي يبدو أن الأمر استقر على أن تكون بالقوائم النسبية، وهو أمر قد يعيد بعض الحيوية والقوة للأحزاب السياسية ويثير التساؤل حول «المستقلين» .
وكيف سيدخلون هذه الانتخابات، وبأي شروط سيكون من حقهم تكوين «القوائم» الخاصة بهم في انتخابات قد تجرى في موعد مبكر لحسم العديد من القضايا!!
نقيب الصحافيين المصريين