في الوقت الذي تدور فيه المحادثات في القاهرة بين وفد من حركة »حماس« من جهة، ومسؤولين مصريين من الجهة الاخرى، بهدف الافراج عن المئات من الاسرى الفلسطينيين المحتجزين في السجون الاسرائيلية، واطلاق سراح الجندي الاسرائيلي الاسير جلعاد شاليت - وفي الوقت الذي تتردد فيه تقارير اعلامية منسوبة الى مصادر مطلعة في العاصمة المصرية، بان المحادثات تحرز تقدما واضحا، فان الحكومة الاسرائيلية بدأت بتصعيد عملياتها العسكرية في قطاع غزة: حيث سقط ما يقارب خمسة عشر شهيدا فلسطينيا بنيران الجيش الاسرائيلي، وتوغلت الآليات العسكرية الاسرائيلية في عدة مناطق شمالي القطاع ووسطه وفي جنوبه.
والمفارقة اللافتة للنظر والاستغراب في آن معا، هي ان الذريعة التي تقدمها الحكومة الاسرائيلية لهذا التصعيد غير المبرر اصلا - بالاضافة طبعا الى الذرائع المستهلكة حول تدمير ما يسمى بانفاق تهريب الاسلحة من مصر الى غزة - هي، وفقا لبعض المراقبين المطلعين، استخدام هذا العنف المكثف كورقة ضغط على وفد حماس المفاوض في القاهرة، للقبول بتنازلات وشروط يفرضها الجانب الاسرائيلي، سواء من حيث عدد الاسرى الفلسطينيين الذين سيتم الافراج عنهم، او تصنيف هؤلاء الاسرى، او توقيت اطلاق سراحهم.
واذا صح هذا التعليل، او التحليل، للدوافع الاسرائيلية الكامنة وراء توسيع الهجوم العسكري المتواصل على القطاع منذ بداية حزيران الماضي، فان هذه الدوافع لا تخضع مطلقا لأي منطق او تفكير سليم، فمن المفروض ان تجري مفاوضات القاهرة في اجواء خالية من اي ضغط او مؤثرات خارجية، لأن الافراج عن الجندي الاسرائيلي، مثله في ذلك مثل اطلاق سراح الاسرى الفلسطينيين، يعد مطلبا للمزايدات والضغوط والمهاترات، ناهيك عن استخدام العنف والتصعيد العسكري للحصول على تنازلات لا يمكن تقديمها لا تحت الضغط، ولا بدونه.
وما دامت اسرائيل قد جعلت من اطلاق سراح شاليت شرطا مسبقا لعدة تطورات او خطوات تعتزم القيام بها على صعيد المسيرة السلمية، ومنها على سبيل المثال، اللقاء الذي طال امد انتظاره بين الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت، ومن ثم سلسلة الاجتماعات بين كبار المسؤولين من طرفي الصراع ، فان من الافضل للجانب الاسرائيلي ونظيره الفلسطيني ان تسوى مسألة شاليت بموازاة حل ازمة الاسرى الفلسطينيين لتتاح الفرصة امام القيام بخطوات فعالة، وايجابية، على طريق استئناف العملية السلمية.
وعلى الطرف الاسرائيلي ان يستوعب تجارب عدة عقود من التعامل مع الفلسطينيين، ليدرك ان العنف لم ولن يكون وسيلة للضغط على الجانب الفلسطيني، وان البديل الوحيد والناجع هو التفاوض المستند الى الاحترام المتبادل، والاعتراف الكامل بالحقوق الوطنية الفلسطينية، والجدية في العمل على اغلاق ملف الاسرى الفلسطينيين، لما لهذا الملف من حساسية وصلة وثيقة بمختلف قطاعات الشعب الفلسطيني.