يوم الخميس الماضي، التقى وزير الإعلام رؤساء تحرير الصحف بحضور كبار الموظفين في الوزارة. قدم الوزير شرحا عن دور وزارة الإعلام فيما يتعلق بالتغطية الإعلامية للانتخابات القادمة، وطلب من رؤساء التحرير أن يدلوا برأيهم في الموضوع.
أدلى بعض الزملاء بملاحظات واستفسروا عن بعض الأمور، إلا أنني بقيت صامتا إلى أن سألني الوزير عن رأيي. قلت: مع الأسف الشديد أن الساحة الانتخابية مسيسة إلى حد يدعو إلى الاشمئزاز. وللأسف الشديد أيضا فإن الصحافة حتى الآن لم تقم بأداء دورها المفروض. وبكل صراحة أقول: إن بعض الزملاء في الصحف الوطنية من السهل جدا عليهم أن يوجهوا الانتقادات إلى الحكومة والمسئولين، إلا أنهم يترددون ألف مرة قبل أن يوجهوا أي انتقاد إلى المسيسين في الشارع، بل إنهم منقادون إلى هؤلاء المسيسين. أما هؤلاء -في الساحة الانتخابية- الذين يدعون أنهم يريدون الديمقراطية الكاملة على النمط الغربي، ونحن معهم في ذلك، فإن الواجب يحتم علينا أن نقول لهم: إن الغرب ومنذ نحو قرنين من الزمان استطاع أن يفصل الدين عن السياسة، بمعنى أن رجال الكنيسة هناك لا يتدخلون في السياسة.
أما بالنسبة إلينا هنا، فإن رجال الدين لا يكفيهم منصبهم الديني، ويريدون أن يكونوا في نفس الوقت زعماء سياسيين. وفي أبسط أبجديات الفهم الديمقراطي في الشرق والغرب، فإن المدرسة الثيوقراطية الدينية لا تقبل ولا تستطيع أن تقبل الديمقراطية الغربية الكاملة.
وعلى ضوء هذا، نرى أنه آن الأوان لأن تتحمل الصحافة الوطنية مسئوليتها وتقوم بواجبها في أن تشرح للمواطنين حقيقة أن هيمنة رجال الدين على السياسة تتناقض مع روح الديمقراطية وجوهرها ومبادئها. وقد تابعت في الأيام الماضية الجدل الذي دار حول الموقف من الانتخابات البرلمانية القادمة بين بعض الذين يرون مقاطعتها والذين يرون ضرورة المشاركة فيها.
والحق أن هذا الجدل في حد ذاته يدعو إلى الانزعاج الشديد. سبب الانزعاج ليس الموقف من المقاطعة أو المشاركة، فهذه مواقف سياسية من حق أي مواطن أو أي فئة أن يتبنى منها ما يشاء. سبب الانزعاج، بل والفزع، هو أن تكون المشاركة أو المقاطعة مرهونة بالنسبة إلى البعض بموقف أو فتوى تعلنها مرجعية دينية، من خارج البحرين أو من داخلها، واعتبار أن هذا بحد ذاته مبرر مقبول لاتخاذ هذا الموقف أو ذاك. قبل كل شيء، فإن مثل هذا الموقف يسلب العملية الديمقراطية جوهرها ولا يجعل لها أي قيمة حقيقية. جوهر الديمقراطية وقيمتها أنها تعطي للمواطن حق الاختيار، وحق أن يقرر بنفسه من دون وصاية، وأن يكون لرأيه ولمشاركته في السياسات العامة عبر الانتخابات أو غيرها من أشكال العمل الديمقراطي وزن وقيمة في شئون المجتمع حاضرا ومستقبلا.
وإذا تم سلب هذا الحق من المواطن وجعله البعض مرهونا برأي أو موقف جهة دينية أيا كانت، فماذا سيبقى لرأيه أو موقفه أو دوره من قيمة؟. المطالبات بالديمقراطية وبمزيد منها وبتعزيز المشاركة الشعبية العامة في صنع السياسة واتخاذ القرار في البحرين أو في أي مجتمع في العالم تنطلق كما نعلم من فكرة ضرورة كسر احتكار الدولة للقرار والسياسة العامة وحدها، وإتاحة المجال أمام المواطنين في أن يكون لهم دورهم الفاعل والمؤثر.
ولكن إذا كان البعض يريد أن يعطي جهة دينية حق الوصاية على المواطن وأن تقرر هي له ما يفعله، وهل عليه مثلا أن يشارك في الانتخابات أو يقاطعها، فما هو الفرق بين أن تسلب الدولة حق المواطن وبين أن تسلبه هذا الحق مرجعية دينية أو أي جهة كانت؟. نظرية الاحتكام إلى المرجعيات في الشئون العامة قد تنبطق على النظم الثيوقراطية التي تصادر الحريات العامة ولا تسمح بالمشاركة الشعبية في صنع السياسة واتخاذ القرار، لكنها لا يمكن أن تستقيم مع أي نظام ديمقراطي أو تتوافق معه. لهذا لا يمكن لأي قوة أو فئة أن ترتدي رداء الديمقراطية وفي نفس الوقت تفكر بعقلية ثيوقراطية. لا يمكن أن تكون داعية ديمقراطية ومطالبا بها ومدافعا عنها ومؤمنا بها، وفي نفس الوقت تعطي لمرجعية أيا كانت حق مصادرة الديمقراطية وحق الفيتو لإلغائها وقتما تشاء.
كيف يمكن أن يستقيم هذا التناقض الغريب؟. وبالإضافة إلى هذا، لا يخفى على أحد أن هذه القناعة بدور حاسم لأي مرجعية على هذا النحو تفتح الباب أمام أخطار وتهديدات خارجية داهمة. فإذا اعتبرنا أن دور المرجعية مقبول بهذا الشكل، فمعنى هذا اننا لا نجد من حيث المبدأ بأسا ولا ضررا من التدخل الخارجي عموما في شئوننا الداخلية. بل يعني هذا أننا نفتح الباب صراحة أمام هذا التدخل. القضايا المتعلقة بالانتخابات وبالعملية الديمقراطية عموما وكل قضايا العمل الوطني هي قضايا من صميم الشئون الداخلية لأي بلد، لمواطنيه وقواه السياسية أن يختلفوا حولها كما يشاؤون ويقرروا بشأنها في النهاية كما يشاؤون.
لكن فتح الباب على مصراعيه أمام قوى خارجية للتدخل فيها يحمل من الويلات والمخاطر ما نعرفه جميعا وما تثبته كل التجارب المريرة من حولنا في عالم اليوم. وليس هناك أي بلد في العالم يقبل بمثل هذا التدخل الأجنبي في شئونه. ودولنا العربية والإسلامية بالذات المستهدفة بخطط استعمارية خارجية تستهدف السيطرة على مقدراتها تخوض معارك كي تدافع عن استقلالها وسيادتها وكي تجنب شعوبها أخطار التدخل الأجنبي. فلماذا يريد البعض إعطاء المبرر والذريعة لهذا التدخل الخارجي في شئوننا؟.
والحقيقة أن المسألة في رأينا أكبر من هذا كله، أكبر من الانتخابات والعملية الديمقراطية برمتها. إنها تتعلق بمفهوم المواطنة، ماذا تعنيه، وما الذي يترتب عليها. المواطنة تعني كما نعلم حقوقا للمواطن وحقوقا للوطن وواجبات تجاهه. وأول حقوق الوطن هي أن يكون الانتماء الأول والأخير له وألا يعلو هذا الانتماء أي انتماء آخر سواء كان لاعتبارات دينة أو غير دينية، وذلك حين يتعلق الأمر بقضايا العمل الوطني. هذه قضية حاسمة بالنسبة إلى كل المجتمعات والدول بلا استثناء.
لننظر إلى دولة ديمقراطية كبرى مثل الهند. في الهند عديد من الأديان والمذاهب. كلها تعيش في ظل العلَم الهندي، وولاؤها الأول والأخير للوطن الهندي. لم نسمع يوما أن الديمقراطية الهندية العريقة رهينة لمرجعيات دينية من هندوس أو سيخ أو مسلمين أو مسيحيين أو أي من الأديان الأخرى. إن تجربتنا الديمقراطية في البحرين، رغم أنها قطعت مرحلة متقدمة كبيرة نعتز بها جميعا، فإنها مازالت في مرحلة التطور والبناء.
والأمر المؤكد أن كل أبناء الوطن بلا استثناء يأملون في أن تمضي التجربة من تطور إلى تطور أكبر، ومن مرحلة إلى مرحلة أخرى أكثر تقدما. لا شك أننا جميعا نأمل في أن تحقق التجربة كل طموحات أبناء الوطن، وأن تحقق ما نرجوه جميعا للبحرين من تقدم وازدهار. ومسئولية تحقيق ذلك نتحملها جميعا بلا استثناء، من القيادة السياسية إلى كل القوى، إلى رجال الدين، إلى كل مواطن. وكي نكون أهلا لتحمل هذه المسئولية، فإن أبسط وأكبر شيء هو أن نحرص على أن تتطور وفق مبادئ وأسس وطنية سليمة. وأول وأكبر هذه المبادئ هو أن يكون أمر هذه التجربة وكل ما يتعلق بها بيدنا نحن لا بيد أي أحد آخر أيا كان.
ولعل المقولة الشهيرة «الدين للّه والوطن للجميع« تلخص كل ما نريد أن نقوله. أي أنه فيما يتعلق بشئون الدين والعقائد، فإن كل إنسان حر، وكل المرجعيات الدينية لها كل التقدير والتوقير والاحترام حين يتعلق الأمر بالشئون الدينية والعقائدية. أما حين يتعلق الأمر بشئون العمل الوطني وقضاياه، فإن المواطن ينبغي أن يكون له حق أن يختار ويقرر بنفسه ما يراه صوابا من دون أن يخشى وصاية من أحد. هذا حق للمواطن وللوطن أيضا.
أنور عبدالرحمن