بإمعان النظر مليَّاً في دوامة الأزمة الشائكة التي تسيطر على منطقة الشرق الأوسط منذ عدة عقود وما تخلل هذه الأزمة من حروب ودورات عنف وحلقات صراع سنجد أن السبب في كل ذلك يعود بالدرجة الرئيسية لحالة «النفاق» التي تطبَّعت بها مواقف الأطراف الدولية والفاعلة منها على وجه الخصوص في تعاملها مع مجريات الصراع العربي الاسرائيلي، حيث ظلت هذه المواقف تتعامل مع الكيان الاسرائيلي من منظور يغلب عليه الانحياز الصارخ إلى درجة جعلت من هذا الكيان - الذي أقام دولته العنصرية بقوة الاحتلال وعلى أرض لا يمتلكها وتراب انتزعه من أصحابه الحقيقيين - يمعن في إذلال أبناء الشعب الفلسطيني ونهب ممتلكاتهم لتحل شريعة الغاب محل شرائع الحق والعدل لتتواصل مأساة الشعب الفلسطيني بفظاعة سرت مظلمتها على أجيال عدة ودون أن تصل إلى اليوم الذي تستعيد فيه حقها في الحرية والكرامة والسيادة والعيش الآمن على أرضها واسترداد الطمأنينة التي افتقدتها منذ عشرات السنين.
وبطبيعة الحال فما كان لهذه المأساة أن تستمر كل هذا الوقت، ولو أن المجتمع الدولي وفي مقدمته القوى الكبرى حكَّمت ضمائرها ولو لمرة واحدة لأدركت أن عليها تصحيح ذلك الخطأ الذي سيطر طويلاً على مواقفها وجعلها تنساق دفاعاً عن الكيان الاسرائيلي وأفعاله العدوانية التي شكلت في مجملها تعدياً سافراً على كل المبادئ والقوانين الدولية ليصبح هذا الكيان أنموذجاً سيئاً لانتهاك أجمل ما أبدعته الإنسانية على صعيد احترام حقوق الإنسان وقيم التعايش والأمن والسلام.
وبالوقوف على حقيقة هذه الوضعية يبدو من الواضح أنه لا معنى ولا حاجة لوجود منظمة الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن الدولي إن لم تستطع تلك المنظمة وذلك المجلس التعاطي مع مسؤوليتهما وواجبهما كمرجعين لإقامة العدل وإعلاء عوامل السلم ووقف العدوان الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، إذ أن اللجوء إلى الصمت إزاء ما ترتكبه إسرائيل من مجازر وحرب إبادة بحق الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني كما هو حاصل اليوم إنما هو الذي يفقد الأمم المتحدة ومجلس الأمن أهميتهما وشرعيتهما إن لم يضعهما في خانة شركاء الجريمة التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني في وضح النهار.
إن السكوت والتغاضي عن هذا العدوان الذي تشنه إسرائيل هذه الأيام يضع المجتمع الدولي بأكمله أمام مسؤولية أخلاقية إزاء كل ما يجري ويحدث وما سينتج عن هذه الغطرسة والعربدة من تداعيات وعواقب وخيمة على حاضر ومستقبل الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط خاصة إذا ما علمنا بأن هذه السياسة المنحازة هي التي شجعت إسرائيل وجنرالاتها على مواصلة حربهم الخبيثة على أبناء الشعب الفلسطيني.
وعلى عكس ما يعتقده البعض فإن الإيغال في جرائم الإبادة والإذلال للشعب الفلسطيني لن يفضي سوى إلى مزيد من الاحتقانات وإشاعة نوازع التطرف وإيجاد المبررات لتغذية منابت العنف والإرهاب، وهو ما حذرت منه الجمهورية اليمنية في بيانها الصادر يوم أمس والذي دعت من خلاله مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى التحرك الفعال والسريع وتخطي سلبيات الصمت والإسراع إلى وقف العربدة الاسرائيلية، لأن في ذلك مصلحة حقيقية للمنطقة والعالم.
واليمن بهذا الموقف لا شك وأنها تنطلق من تلك المصلحة التي ترتبط بضرورات الحفاظ على قواعد الأمن والاستقرار في هذه المنطقة وخارجها.
فالصمت والتجاهل أصبح له ثمن.. ومن تبعاته طغيان التطرف والتعصب ونوازع الانتقام والإرهاب التي لم يسلم من شرها أحد وفي المقدمة أولئك الذين منحوا إسرائيل الضوء الأخضر من خلال صمتهم وسكوتهم وغض الطرف عن حماقاتها وعدوانيتها التي تتوارى في مزاد شلال الدم الفلسطيني.
وما لم يسارع مجلس الأمن واللجنة الرباعية بل والمجتمع الدولي بشكل عام إلى إطفاء الحرائق الإسرائيلية فإن هذه الحرائق سوف تتسع وتنتشر إلى أبعد مدى مما قد يتصوره البعض. وإذا ما حلت الكارثة فإنها ستأتي على الأخضر واليابس وستصيب القريب والبعيد، ودون تمييز بين هذا وذاك، فالكل سيدفع الثمن والكل ستطاله الخسارة الفادحة.