لم يكن اللبنانيون بحاجة إلى توقعات ميشال حايك، ولا إلى قراءة كتاب الزميلة ماغي فرح، ليدركوا حجم الازمة التي يعيشها الوطن الذي تحول إلى ساحة للصراعات الاقليمية والدولية وان امامهم فترة من الاشهر الصعبة التي قد تؤدي احداثها وتطوراتها إلى اهتزاز الوضع الامني وضرب هذا الاستقرار الهش من جديد· وجاءت خطوة تأجيل موعد طاولة التشاور اسبوعا آخر، لتؤكد على عمق الانقسامات الداخلية وامتداداتها الخارجية، في وقت تستعد فيه الاطراف الدولية: الولايات المتحدة ومعها الغرب الاوروبي إلى مواجهة أخرى مع اطراف اقليمية: ايران وسوريا، بعد تفرغ واشنطن من ملف الانتخابات النصفية للكونغرس الاميركي، وانصرافها إلى معالجة ازمتها المستفحلة في العراق، والملف النووي في ايران·
ويعتقد العالمون ببواطن الامور ان طاولة التشاور تحتاج هذه المرة، إلى معجزة حقيقية لضمان استمرار جلساتها أولا، ولتحقيق الحد الادنى من التوافقات على الملفات الخلافية المعقدة ثانياً وثالثاً ورابعاً، وذلك على عكس ما كان عليه الحال عند الجولة السابقة من الحوار التي كانت أبواب الوفاق والتوافق مفتوحة أمامها، إلى ان أدت التدخلات الخارجية إلى تجميد الحوار، ومعه الوفاق، عند ملفين أساسيين: أزمة رئاسة الجمهورية وعدم الاتفاق على شخصية الرئيس العتيد، والاستراتيجية الدفاعية وكل ما له صلة بسلاح حزب الله·
واذا كانت انجازات الحوار السابق قد تم نسفها أو القفز فوقها من خلال أحداث إقليمية كبيرة، كانت حرب تموز الشرسة اداتها الاساسية، فالمرجح حتى الآن ان يتم تعطيل محاولة الحوار الجديدة من خلال سلسلة احداث داخلية يشكل شعار حكومة الوحدة الوطنية صاعقها المتفجر!
لن ندخل في متاهات السيناريوهات المطروحة لتفجير مسلسل الاحداث الداخلية المرتقبة، ولكن ما يعني الاكثرية الساحقة من اللبنانيين هو كيفية التصدي لسلسلة الهزات التي ستثيرها الاحداث الداخلية، وما ستسببه من انهيارات على مختلف الاصعدة الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، فضلا عن السياسية والامنية·
ليس بين اللبنانيين من يخاف من الممارسات الديمقراطية، بما فيها حق التظاهر والاعتصام في الساحات والاماكن العامة طلبا لتغيير حكومي، أو سعيا لتحقيق مطالب سياسية أو اجتماعية معينة·
مثل هذه الممارسات التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من حرية التعبير التي كفلها الدستور هي حق، ويجب ان تبقى حقا طبيعيا، لأي فئة سياسية أو حزبية، شرط ان تلتزم بالمقابل، بمسؤوليتها الواضحة والصريحة على الحفاظ على النظام العام في اي تظاهرة أو اعتصام، وعدم التعرض للاملاك الخاصة ولا للمؤسسات العامة بالتكسير والتخريب، وعدم الدخول بمواجهات ساخنة مع قوى الامن والاخلال بالامن العام، وضرب ما تبقى من هيبة السلطة الشرعية واجهزتها الامنية المختلفة·
لقد سبق لقوى 14 آذار ان نزلت إلى الشارع، وحشدت اكثر من مليون ونصف مليون مواطن من مختلف المناطق، ومن كل الطوائف، وتعاملت بكل هدوء، وبكثير من المسؤولية مع الجيش والقوى الامنية الأخرى، وحافظت على الممتلكات العامة والخاصة، ولم تحصل ضربة كف واحدة رغم بعض المضايقات المتعمدة على بعض الحواجز·
وكذلك كان حال الانضباط بالنسبة لتظاهرة 8 آذار التي أرادها حزب الله وحلفاؤه من الأحزاب والقوى السياسية الأخرى بمثابة تحية وفاء لسوريا·
فكان ان نزلت الحشود إلى الساحتين مع حرص حاسم من القيادات في الجانبين على عدم السماح بالانزلاق إلى لعبة المواجهة في الشارع·
ولعل الخوف من الانزلاق إلى لعبة الشارع هو السبب الاكبر لحالة القلق والحذر الشديد التي تسود اللبنانيين هذه الايام، خشية فشل جولة الحوار الجديدة، وما ستجره على العباد والبلاد من ويلات ومصائب ومن انهيارات وخسائر·
لقد تعلم اللبنانيون، من مرارة التجارب السابقة ان البديل عن فشل الحوار بين القادة السياسيين هو الصدام في الشارع بين الانصار والمتحزبين والمؤيدين وان سقوط الانقسامات السياسية إلى مستوى الشارع يفتح ابواب التدخلات والفتن الخارجية على مصراعيها، ويؤدي إلى تحويل الوطن برمته إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية والاقليمية، يكون فيها اللبنانيون حطبها ومصالحهم وقودها!!
لقد سبق للبنان ان اضاع انتصار التحرير ودحر الاحتلال الاسرائيلي في أيار عام 2000 في زواريب السياسة المحلية الضيقة وسقط وهج أول انتصار عربي من نوعه على العدو الصهيوني في وحول اللعبة الوسخة التي كان يديرها النظام الامني السابق·
ولكن خسائر تعطيل الحوار والسقوط في مواجهات الشارع، ستكون هذه المرة اشبه بعملية انتحار، لان الخسائر والانهيارات لن تقتصر هذه المرة على الوسط السياسي، بل سيطيح الزلزال الجديد كل ما تحقق حتى الآن من انجازات وانتصارات في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والاعمارية وصولا إلى التوافقات السياسية وتحصيناتها الامنية وتوازناتها الوطنية· وهذه بعض المشاهد البائسة على سبيل المثال لا الحصر·
انهيار مكانة المقاومة الاسلامية في العالمين العربي والاسلامي وضياع هذا المجد التاريخي الكبير الذي صنعته بطولات المقاومين الاشاوس في مواجهات بطولية نادرة، رغم عدم تكافئها عددا وعدة مع العدو الاسرائيلي·
الاطاحة بمقومات ما تبقى من صمود اقتصادي ومالي للقطاعات الانتاجية اللبنانية في القطاعين العام والخاص، وتفجير سلسلة من الازمات الاجتماعية والمعيشية تحتاج إلى ما يشبه المعجزات لمعالجتها وتطويق ذيولها الوطنية والانسانية، لانها ستصيب لقمة عيش كل لبناني·
فقدان حالة الثقة العربية والدولية غير المسبوقة التي تحيط بلبنان، مدعومة بعاطفة الاشقاء والاصدقاء على الدعم والمساندة لبلسمة جراح اللبنانيين من آثار الحرب الاسرائيلية المدمرة للبشر والحجر، ولتمكين الوطن الصغير من الوقوف على قدميه من جديد بعد الخسائر الفادحة التي لحقت بحركته الاقتصادية والانتاجية والتي قاربت الـ15 مليار دولار اميركي·
تجميد ورشة اعادة اعمار القرى والبنى التحتية المهدمة بضربات العدوان الاسرائيلي اللئيم، وبالتالي تعريض اكثر من نصف مليون مواطن إلى حالة من الضياع والتشرد بعد فقدان منازلهم وضياع مصادر رزقهم وعدم تمكين الدولة من القيام بواجباتها تجاههم·
تعزيز مشاعر القنوط واليأس عند البقية الباقية من اللبنانيين الذين لم يستجيبوا حتى الآن لاغراءات الهجرة وفرص العمل والعيش الهادئ الهنيء، سواء في المحيط العربي أم في بلدان الاغتراب الاوروبية والاميركية والاوسترالية، وبالتالي تعريض البيئة الاجتماعية اللبنانية إلى نزيف صاعق من هجرة الأدمغة والكوادر المؤهلة، وأصحاب القدرات المالية والمشاريع الاستثمارية التي تضخ دماء الحياة إلى شرايين الاقتصاد اللبناني·
اما الخسائر بالارواح والممتلكات التي يمكن ان تنتج من الانزلاق إلى لعبة الشارع وتحول الوطن إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين على ارضه، فحديثها يطول·· ويزيد خطوط تلك المشاهد البائسة سواداً!!
ترى من القادر على تحمل المسؤولية الشرعية والوطنيــــة والتاريخية أمـــــــام الله والوطن والتاريخ واستبـــدال الحوار بـ·· الانتحار؟!!
صلاح سلام