هاجر من روسيا منذ عام 1989م حوالي 32 ,1 مليون شخص مما يدل على تنشيط الهجرة إلى بلدان مختلفة بهدف العمل والاستقرار الدائم. ويهاجر الروس بهدف الاستقرار الدائم إلى ثلاثة بلدان أساسية هي الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وألمانيا كما يتوجه الكثير من المهاجرين الروس إلى كندا وأستراليا ونيوزلندا وبلدان البحر الأبيض المتوسط والبلدان الاسكندنافية.

وأما فيما يتعلق بألمانيا واليونان وإسرائيل فإن الروس المهاجرين إليها - في الأصل - ينتمون إلى العرق الألماني أو اليوناني أو اليهودي. ويقصد الولايات المتحدة الأميركية والنرويج وكذلك ألمانيا ممثلو بعض المهن (العلماء، خبراء البرمجة، العاملين في مجال الطب وغيرهم).

وكانت إسرائيل طيلة أعوام التسعينات من القرن المنصرم - تقليديا - ثاني وجهة رئيسية لهجرة الروس. وتتصف الهجرة إلى إسرائيل بتأثرها الحاد ليس بالظروف الاجتماعية والاقتصادية فحسب بل وبالأوضاع السياسية أيضا. وازداد حجم الهجرة إلى إسرائيل بعد أزمة عام 1998م بمقدار الضعف. وبعد أن اشتدت المواجهة بين إسرائيل وفلسطين فقد تقلص بمعدل ثلاثة مرات.

علاوة على ذلك يتميز التدفق الهائل للمهاجرين الروس العائدين من إسرائيل إلى روسيا،كما تفيد بيانات عام 2004م، بارتفاع عددهم إذ زاد على 8 ,1 ألف شخص مما يؤكد عدم قدرة إسرائيل على استيعاب كافة المهاجرين من روسيا بصورة فعالة. كما تشير نتائج الدراسات إلى عجز بعض الروس عن التكيف مع أوضاع البلدان التي هاجروا إليها و يعود ذلك بالدرجة الأولى إلى الإمكانيات المحدودة في سوق العمل. تجدر الإشارة إلى أن اليهود المهاجرين من روسيا يتجهون - بنسب متساوية - إلى ثلاث دول أساسية هي إسرائيل والولايات المتحدة وألمانيا.

وتتجه الهجرة إلى الولايات المتحدة نحو التقلص التدريجي بسبب التشدد المستمر لسياسة استقبال المهاجرين فيها خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م إلا أنها تبقى،البلد الثاني في العالم المستقبل للمواطنين الروس القادمين للاستقرار الدائم. وكان عدد المهاجرين من روسيا إلى الولايات المتحدة في عام 200م قد بلغ 9 ,2 ألف شخص ثلاثة أرباعهم روس والباقي من أجناس أخرى من بينهم اليهود 6%.

هناك بلدان أخرى مهمة نسبيا على صعيد استقبال المهاجرين الروس ومن بينها بعض البلدان الأوروبية وكندا وأستراليا التي ابتدأ الروس يتجهون إليها حديثا. واستنادا إلى زيادة تعداد ونشاط الشركات الوسيطة التي تعمل على تقديم الخدمات المتعلقة بالسفر من روسيا بما في ذلك شراء العقارات وإدارة الأعمال في البلدان الأخرى والحصول على الجنسيات الأجنبية وغيرها، يمكننا الوصول إلى استنتاج مفاده أن الخارطة الجغرافية لهجرة الروس تستمر في الاتساع مع انخفاض عدد المهاجرين المطلق شيئا فشيئاً.

وتكمن المشكلة الرئيسية للهجرة إلى هذه الدول في التركيبة النوعية للمهاجرين إذ تشير دراسات خاصة بأعمار المهاجرين إلى أن نسبة الأشخاص القادرين على العمل والأطفال والمراهقين مرتفعة إلى حد ما.

ويجدر التركيز على أن نسبة الأطفال والمراهقين بين المهاجرين إلى بعض الدول الصناعية مرتفعة جدا حيث تفيد بيانات المصلحة الفيدرالية للإحصائيات الحكومية بأن نسبة الأطفال والمراهقين بين المهاجرين من روسيا إلى الولايات المتحدة تبلغ حوالي 40%.

ويدل هذا على وجود نزعتين أساسيتين : الأولى هي الطابع العائلي للهجرة والثانية هي أن روسيا أصبحت بلدا لتصدير الأطفال للتبني إلى درجة انه تم استحداث مصطلح خاص بهذه الظاهرة هو «تجارة الأطفال». وتفاديا لردود الأفعال السلبية لا يتم الإعلان الواسع عن المعلومات المتعلقة بتبني الأطفال وإخراجهم من روسيا بل تعلن بشكل متقطع عبر بعض القنوات التلفزيونية وغيرها من وسائل الإعلام. وتفيد مصادر قناة «روسيا» التلفزيونية بأن عدد الأطفال الروس الذين تبناهم مواطنون أجانب بشكل رسمي بلغ 4-5 آلاف طفل خلال عام 2005 ،بينما بلغ عدد الأطفال الذين تم تبنيهم بهذه الطريقة خلال عام 2004 حوالي 5,6 آلاف طفل، أما خلال السنوات العشر الأخيرة فقد تبنى الأجانب حوالي 60 ألف طفل روسي من بينهم 40 ألف طفل تبناه مواطنو الولايات المتحدة الأميركية.

وتمثل الهجرة من روسيا بهدف الزواج نوعا منفردا من الهجرة الواسعة حيث ظهر في روسيا سوق من الوسطاء يضم أكثر من ألف وكالة خاصة بالزواج.ويتراوح حسب التقديرات عدد النساء الروس اللواتي يهاجرن سنويا بتأشيرة خروج «عروس» بين 10- 15 ألف امرأة. وتفيد بيانات وزارة العدل الأميركية بأن عدد النساء الروس اللواتي دخلن أميركا وفقا لتأشيرة دخول «عروس» خلال السنوات العشر الأخيرة بلغ 80 ألف امرأة.

وفي الفترة الأخيرة هاجر من روسيا عدد كبير من الأخصائيين في مجال التقنيات الفضائية والفيزياء العملية والنظرية وتكنولوجيا الكمبيوتر والكيمياء الدقيقة والكيمياء الحيوية وعلم الأحياء المجهري وعلم الوراثة والرياضيات. وازداد في السنوات الأخيرة عدد المختصين في البرمجة الذين هاجروا من روسيا. وأصبح من المعتاد أن تنظر بعض الدول إلى روسيا على أنها مصدر للكوادر المؤهلة وعلى هذا الصعيد باشرت ألمانيا في عام 2004م بتطبيق برنامج واسع النطاق يفترض اجتذاب حوالي 100 ألف أخصائي في مجال الكمبيوتر من روسيا الاتحادية كما تدرس الولايات المتحدة الأميركية أيضا بعض الاقتراحات المتعلقة بزيادة عدد الشاغر المعتمد للاختصاصيين الأجانب.

وأدت الهجرة من روسيا إلى فقدان هذا البلد لقدراته العلمية وهناك خطر واقعي يهدد روسيا واحتمال فقدانه مجموعة كبيرة من المدارس العلمية وقطاعات الأبحاث.

تفيد المصادر الروسية بأن عدد العلماء الروس العاملين في الخارج يقدر بـ 20 ألف شخص من بينهم 14- 18 ألف شخص مختص في العلوم الأساسية ويقدر إجمالي عدد الروس المختصين في التقنيات العالية والبرمجة العاملين في الولايات المتحدة الأميركية بـ 130 ألف شخص أما تعداد «الجالية التكنولوجية الروسية» في وادي السيليكون الأميركي فيتراوح بين 30-50 ألف شخص حاصل على شهادة عليا. ومن الواضح أن روسيا قد فقدت كافة القدرات العلمية المذكورة وأن تعويض هذه الخسارة سوف يأخذ وقتا طويلا ويتطلب مجهودا ماديا كبيرا.

وبما أن المرتبات التي يتقاضاها العاملون في القطاع العلمي ما زالت ضئيلة جدا وما زال مستوى المعيشة متدن، ولم يتم، حل عدد كبير من المشاكل الاقتصادية المهمة فإن هجرة المواطنين الروس إلى الخارج تبقى مستمرة وذلك بهدف الحصول على دخل إضافي ورفع مستوى المعيشة.

جامعة الصداقة ـ موسكو