بعدما وضعت حرب 73 أوزارها، تلك الحرب التي أقدم العرب فيها للمرة الأولى والأخيرة على وقف ضخ نفطهم الذاهب إلى شرايين الصناعة والمدنية الأميركية والأوروبية، وما واكب ذلك من ارتفاع قياسي في أسعار النفط لم يتنبأ به خيال أي اقتصادي آنذاك اعتمادا على أن العرب الضعفاء المسحورين ببريق المال والثروة لن يجرؤوا على اتخاذ مثل هذه الخطوة الجسورة وغير المحسوبة.

حينها، أقدمت أميركا جديا على صياغة استراتيجية جديدة تتيح لها افتعال الأحداث وتحريكها وفق مصالحها ومطامعها، فبدأ جيشها في إجراء مناورات وتدريبات عسكرية في صحراء نيفادا الشبيهة بصحراء الجزيرة العربية في تضاريسها ومناخها من أجل تهيئة قوة للتدخل السريع توضع على أهبة الاستعداد للسيطرة على آبار النفط الخليجية، وإعادة ضخ النفط تحت تهديد السلاح، من أي دولة توسوس لها نفسها بتكرار تلك الخطيئة مهما كانت الدوافع والأسباب.

ولعل هذه البداية المتشنجة هي التي تقف - والله أعلم - وراء بلورة الاستراتيجية لتغدو أطول باعا، وهو ما أطلق عليها إبّان تدشين كوميديا أحداث الحادي عشر من سبتمبر اصطلاح «الحرب الاستباقية»، وهو اصطلاح رغم الجراحة التجميلية التي خضع لها، إلا أنه ينم بوضوح شديد عن روح عدوانية قائمة على التشكيك في نوايا الآخرين ومشاعرهم، مع احتواء الاصطلاح على تناقض تلمسه في تبييت النية للاعتداء على الآخرين بل واصطناع المكائد والتحضيرات التكتيكية للوصول إلى الأطماع من أقصر الطرق، إن تاريخ البشرية حافل بالأزمات الدولية التي أمكن تسويتها بلا حروب أو إهراق للدماء أو إهلاك للحرث والنسل، بل إن أميركا نفسها تصنع اليوم الشيء نفسه مع ملف البرنامج النووي الإيراني، وهو ملف رغم مجاهرة إيران به على رؤوس الأشهاد، بل وتحدي أميركا وضرب تهديداتها عرض الحائط بتصميمها على المضي فيه إلى النهاية.

ما يقدم لأميركا من الأدلة والوقائع المادية ما يزيد عن حاجتها لإشعال حرب استباقية أو غير استباقية مما لا يضطرها إلى تلفيق الأكاذيب والتخرصات كأكذوبة أسلحة الدمار الشامل التي لفقتها للعراق زورا وبهتانا، ورغم ذلك فإن أميركا النيرونية لم تتعامل مع إيران كما تعاملت مع العراق الذي أوقدت جحيم حربها الاستباقية ضده في طقوس دموية ووحشية نازية يندى لها جبينا هولاكو وجنكيزخان لما ارتكب فيها من عربدة وفجور، ثم أخذت تتلذذ بمشاهد النار والموت وهي تنهب نفط هذا البلد العربي المسلم وخيراته ومستقبل أجياله من خلف ستار الدخان، تاركة إياه يخوض في حمامات الدم إلى أذنيه.

ثم، وبكل برودة الدم التي يتمتع بها القاتل المحترف المدمن على القتل والإجرام، وبعد أن كممت أفواهنا، تساءلت أميركا في براءة تتفطّر لها القلوب: لماذا يكرهنا العرب والمسلمون؟ ولأننا لا نجرؤ على الإجابة على ذلك التساؤل الخبيث ونحن نحس بحد السكين الأميركية على رقابنا، ولأننا أيضا نرفض الإجابات السخيفة التي وضعتها بالنيابة عنا، فإننا سنجيب عن السؤال الآخر الذي نذوق طعم مرارته في حلوقنا عند كل موقف من المواقف الأميركية ضد أمتنا، لماذا تكرهنا أميركا؟ أو بصيغة أدق، باعتبار أن الكراهية مجرد شعور قلبي لا يستدعي بالضرورة تعدي الفعل إلى إلحاق الضرر المادي بالطرف المكروه، كما هو شأن العداوة: لماذا تضمر لنا أميركا كل هذا الحقد والعداء؟:

1 ـ لأن الإسلام الذي ندين به، هو الدين الوحيد الذي يمتلك بشهادات التاريخ ديناميكية وآليات استعادة الشباب والعودة إلى حالة الوعي، ويولد عند المؤمنين به الجرأة والإقدام على مصادمة الباطل والتصدي له، متى ما أتيح لقطار العمل الإسلامي أن يعود إلى مساره الصحيح، وهذا ما تعتبره أميركا تهديدا مبطنا ومرفوضا لأنه سيحطم كل أغلال السيطرة والهيمنة والعبودية التي تعمل على تكبيل العالم بها في الخفاء والعلن.

2 ـ لأن أميركا هي معقل الصهيونية واليهودية العالمية وحامية حماها، حتى بلغ الأمر بغالبية أعضاء حكومتها ومجلس شيوخها وبرلمانها إلى المفاخرة بأنسابهم التي اكتشفوا فجأة شرف انتمائها إلى بني إسرائيل! زد على ذلك أن رؤساء الجمهورية المتعاقبين على كرسي الحكم مدينون بالجميل للمنظمات اليهودية والصهيونية التي تمول حملاتهم الانتخابية، ومن هنا يصبح على المسلمين أن يدفعوا ثمن إسلامهم حنقا وغيظا أميركيا عليهم ولو أغلقوا أبوابهم على أنفسهم، مصداقا لقول الله جل في علاه: «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا..» (الآية 82، سورة المائدة).

3 ـ لأن القدر وحده جعل بلاد العرب والمسلمين تطفو على بحيرات من النفط الذي لا تجيد الانتفاع به، ما يجعلنا شوكة في حلق أميركا التي هي أحوج ما تكون إلى نفطنا الذي تستمد منه القوة لتبسط بها سيطرتها على كوكب الأرض وتتحكم في مقاديره بالقهر والبطش وإرغام أنوف منافسيها، وتوطد بذلك أركان إمبراطوريتها التي تتوهم أن التاريخ لن يشهد لها مثيلا.

إن أي متأمل لمشهد الأفق السياسي العالمي اليوم، يجد نفسه يتساءل لا إراديا، أي ضرر وقع على أميركا من جراء كراهيتنا لها؟ فلا يجد إجابة، اللهم إلا أن يتبادر إلى ذهنه تلك الأضحوكة المسماة بالحادي عشر من سبتمبر. ثم عندما يعكس السؤال: وأي ضرر وقع علينا نحن معاشر العرب والمسلمين من عداوة أميركا لنا؟ فإنه يجد الإجابات تتقاطر عليه من ثنايا التساؤلات الآتية:

أولا: أي مناطق العالم أكثر تخلفا عن ركب الحضارة والمدنية اليوم؟ الإجابة: حيث تتركز بؤر الصراع الدامي، وباستثناء بعض البؤر الصغيرة المتناثرة هنا وهناك، والدول العربية والإسلامية تكاد تستأثر منذ أكثر من مئتي عام بنصيب الأسد من تلك الأزمات والتوترات والتناحرات، ما يكفي لإلهائها عن اللحوق بالركب الذي يتسع الفارق بينها وبينه كل ثانية من الزمن، بينما لا تلقي لنا دول العالم المتقدم وعلى رأسها أميركا من نتاج البحث العلمي والمعرفي والتطور التقني والصناعي إلا سقط المتاع، ما يبقينا متعلقين بأذيال تلك الدول حتى لا نموت جوعا وعريا ومرضا.

ثانيا: أي دين ذلك الذي تعلن أميركا مواقفها العدائية الصريحة ضده بالاستهزاء والسخرية منه ومن رموزه دون سائر الأديان الموجودة على سطح الأرض، ثم تؤز أذنابها في العالم الصليبي والعلماني عن بكرة أبيه للاستهزاء به ومحاربة حتى الملابس التي ترمز له؟ وأي دين ذلك الذي تنعته أميركا تارة بالأصولية وتارة بالفاشستية وتتوعده بمزيد من حروبها الصليبية الاستباقية التي ستحرق أخضره ويابسه وتقطع دابر أتباعه؟ وأي دين ذلك الذي تعمل أميركا جاهدة على تشويه مفاهيمه وتصوراته الحياتية والروحانية، وطمس معالمه لدرجة تحريف كتابه المقدس، ثم تحابي على الجانب الآخر المذاهب الضالة والباطنية والمارقة من الدين لتقدمها بديلا للأصل الذي جاء به الوحي من السماء؟

ثالثا: أي بلاد العالم أكثر افتقادا لسيادتها واستقلالها إما بالاحتلال العسكري المباشر الصريح، أو بالاغتصاب المتخفي بلثام الامتيازات الاقتصادية؟ وأي دول العالم هي الأكثر تدويلا لأزماتها وقضاياها؟ هل هي بلاد واق الواق؟ أم بلاد العرب والمسلمين النازفة في العراق وفلسطين ولبنان والسودان والصومال وأفغانستان وإندونيسيا وكشمير والشيشان بل والأقاليم المسلمة في تايلاند والفلبين وغيرها، حتى أضحت كل بلادهم حمى مستباحا ورقيقا مستعبدا؟ والفضل أولا وأخيرا لحامية الحضارة والمدنية وحاملة رايتها.

رابعا: من الذي ينهب ثروات الآخر وخيرات بلاده سواء أكانت نفطا أو ذهبا أو يورانيوم؟ هل المسلمون من ينهب ثروات أميركا بزعم استخراجها وبيعها ثم دفع مقابلها أبخس الأثمان؟ وهل المسلمون من يلوث البيئة الأميركية بالنفايات المشعة ومخلفات الصناعة القذرة؟ وهل نحن الذين نمتص الأرقام الفلكية من الاستثمارات والأموال الأميركية، ثم نسرقها بدعوى تجميد تلك الأموال والودائع في مصارفنا لأتفه الحجج؟ وهل عملاتنا هي التي تمسك الدولار الأميركي المسكين بخناقه، أم أن ذلك الدولار هو الذي يتلاعب باقتصاداتنا كقشة في مهب الريح، ونحن نتضرع إلى الله بأن يمن عليه بالعافية حتى لا تنهار عملاتنا ومن ورائها اقتصاداتنا برمتها بين عشية وضحاها؟

ذاك غيض من فيض العداء الأميركي لنا، ولأن «ليلى» الأميركية لم تكتف بذلك الغيظ فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك لتكريس عقدة الذنب والندم عند «قيسها» العربي فجعلته يقر بالجرم الذي لم تقترفه يداه، بأن علقت خطيئتها في عنقه، عملا بالمثل العربي القائل: «رمتني بدائها وانسلّت»، فجاءت بوحش الإرهاب الذي صنعته على عينها، ثم أعملت عبقريتها في الخبث والمكر اليهودي الذي تفخر بشرف الانتساب إليه، فوظّفت تناقضات الأمة العربية والإسلامية وحالة التمزق السياسي التي تتفشى في أوصالها، وتدهور المستوى التعليمي والجهل الذي يضرب أطنابه في أرجاء مجتمعاتها.

واستغلت انحراف قطار العمل الإسلامي عن مساره الصحيح، فأخرجت من بين ركام ذلك البؤس مخلوقها المتوحش ووضعت أداة القتل في يديه اللتين لطختهما بالدماء، ثم نادت أبواق إعلامها في مشارق الأرض ومغاربها: أن هلموا انظروا من أين خرج عليكم الكائن الذي يحمل الإرهاب في تركيبه الجيني، وأنك أيتها البشرية من يتحمل وزر مآسيك من ألفها إلى يائها، هذا أحد أضلاع «مثلث محور الشر». ثم لم تأب شهامة راعي البقر الأميركي إلا أن اقتلعت ذلك الضلع المتهالك من تلقاء نفسه، وأبقت على الضلعين الآخرين لم يمسسهما سوء.

أما لماذا؟ فلأن أحد الضلعين الباقيين يستأثر باستثمارات للشركات الأميركية تفوق بعشر مرات مجموع استثماراتها في الدول العربية مجتمعة، وأما الآخر فهو الحليف الاستراتيجي الذي فتح للجيوش الأميركية بوابات أفغانستان والعراق على مصاريعها، فدخلتهما دخول الفاتحين.

كاتب إماراتي