أثار كتاب المدونات على الإنترنت موضوع الهوس الجنسي وفرضوه على الساحة السياسية المصرية، فبعد بعض المدونات التي تعرضت للموضوع تحركت الصحف والتلفزة ودعت إلى التحقيق فيما جرى وتحري مدى دقته. وهذه بالطبع كانت الصحف المستقلة والمعارضة، فيما انبرت أقلام المدافعين عن الحكومة بتكذيب ما جرى من أساسه، متهمة المدونين باختلاق الموضوع.

وأياً كان ما جرى ومهما كانت دقته، فإن الأمر يستدعي وقفة تأمل لدور المدونين على شبكة الإنترنت، وهم كثر في عالمنا العربي، واستطاع هؤلاء أن يثبتوا حضورهم ويفرضوا وجودهم على الجميع، بل ويتحولوا إلى مصدر مهم من مصادر الأخبار في الأماكن الساخنة من عالمنا العربي. ومن ذلك موقع مدونة العراق الذي كان ينقل إلى العالم ـ وقت الغزو ثم الاحتلال ـ التفاصيل التي كانت تحرص قوات الغزو على إخفائها.

فقدم هذا المدون معلومات مهمة على موقعه المنشور باللغة الإنجليزية، واستقت منه بعض الصحف الأجنبية المعلومات وكانت تنشرها منسوبة إليه. وما ساعد على سرعة انتشار أخباره هو تقديمه وقائع وتفاصيل متكاملة بالأرقام والصور من أماكن مختلفة، مما يعني أن هذا المدون لم يكن فرداً واحداً بل فريق عمل متكامل.

وفي المقابل لم تستطع القوات الأميركية مجاراة المدون فتفوق هو عليها بدوره، فيما هي أثبتت فشلها وهزيمتها في هذا الميدان.

ومثل هذا المدون كثيرون لا يزالون يمارسون عملهم في العراق، ومنهم ذلك المجهول الذي نظم قصيدته، وفضح فيها أعوان الاحتلال الأميركي وعملاءه، بالاسم والوصف، وكما وصفت جريدة الشرق الأوسط القصيدة فإنها حققت انتشاراً واسعاً في العراق أرق الكثيرين (5/ 8/ 2006 ).

ما يكتبه المدونون يلقى عادة مصداقية لدى المبحرين في شبكة الإنترنت، وهم في غالبيتهم من الشباب الحريصين على البحث عن المعلومات التي تهمهم، لاعتقادهم بأن هذه المدونات لا تخضع للرقابة المسبقة التي تخضع لها وسائل الإعلام التقليدية في معظم عالمنا العربي.

وهذه الحرية تمنح مواقع المدونين ميزة كبرى على وسائل الإعلام المعتادة، وتزيد من الإقبال الجماهيري عليها، لأن المبحرين في الموقع يحرصون بدورهم على ممارسة أقصى درجات الحرية والتواصل، بل ان تلك الحرية تصل ببعضهم إلى حد الانفلات، بكل ما يعني ذلك الانفلات من معان ومدلولات، فلا حدود ولا ضوابط.

ويكفي إلقاء نظرة على مواقع المدونين المصريين بشأن موضوع الهوس الجنسي الذي شهدته شوارع وسط القاهرة خلال عيد الفطر المبارك، لمعرفة مدى التأثير الذي أحدثته المدونات على الساحة المصرية، فالمعقبون بالمئات، لكل منهم رأيه المميز أو المخالف للآخر أو للآخرين. وكأنهم داخل حديقة هايد بارك اللندنية، فكل منهم يقول ما يشاء وهو واثق مما يقول ويكتب، ومطمئن على نفسه وهو يناقش.

إن شبكة الإنترنت العالمية ـ بما فيها مواقع المدونات العربية ـ تسبق واقع المجتمعات العربية بعشرات أو ربما بمئات السنين، من حيث حرية الرأي، والانفتاح على الآخر، والاطلاع على المعارف. هذا في الوقت الذي تتجمد فيه أو تتراجع معظم مجتمعاتنا على هذه الأصعدة مجتمعة.

لقد استطاعت شبكة الإنترنت أن تثبت عجز أعتى الأنظمة ديكتاتورية وقسوة عن تقييد أو إعادة توجيه مواقع ومواد الإنترنت لحسابها، بل ان الولايات المتحدة الأميركية وهي الأم الشرعية لاختراع الإنترنت، اعترفت بأنها تخسر حرب الأفكار، نظراً لمهارة خصومها في استخدام شبكة الإنترنت في ترويج معتقداتهم. فما بالنا ونحن نتحدث عن معظم النظم العربية وتخلفها في هذا المجال.

إن نظماً عربية كثيرة تحتاج إلى مراجعات جذرية لسياساتها بما يكفل إطلاق الحريات العامة، وإلغاء القوانين الاستثنائية، والتعامل مع المجتمع وفق رؤى جديدة تكفل حرية التعبير وتحقق العدالة بمعناها الشامل، لأن حركة الحياة ليست في صالح الديناصورات في عصرنا هذا، مثلما لم تكن في صالحها قبل ملايين السنين.

وليس من المبالغة القول إن بعض المجتمعات العربية تمارس على الإنترنت حالة من العصيان المدني ضد أنظمتها الحاكمة، وان عاجلاً أو آجلاً فإن هذه الحالة مرشحة للانتقال من شبكة الإنترنت إلى الشوارع. وما بعض مظاهر الخلل في الأمن العام، من جانب شريحة الشباب على وجه الخصوص، بين الحين والآخر، إلا مقدمات لما هو آت.