يمثل الشرق العربي الإسلامي الذي يطلقون عليه في الغرب اسم الشرق الأوسط بضفتيه المتوسطية والخليجية أهمية استراتيجية بالغة، أغرت الغرب في الماضي مع ضعف الشرق باستعمار هذه المنطقة باحتلال عسكري سافر، لكنه بعد انسحابه الرسمي من الباب بعد الاستقلال، يحاول العودة من الشباك بصيغ مختلفة، مستغلا واقع التجزئة وحالة التوترات البينية الإقليمية.
بهدف ضمان استمرار وجوده تأمينا لمصالحه الاستراتيجية، وليس سرا أن هناك العديد من المحاورات التي جرت بين الدول الغربية الأطلسية من جهة والدول المتوسطية والخليجية من جهة أخرى لبحث صيغ الأمن المختلفة سواء في المتوسط أوفى الخليج خصوصا بعدما وضع الحلف الأطلسي خطة للتمدد شرقا وجنوبا باتجاه هاتين المنطقتين الإستراتيجيتين.
ومن الطبيعي أن يمثل أمن الخليج كجزء حساس في هذا الشرق أهمية استراتيجية للغرب ولدول العالم كله لكونه ينتج ما يزيد على الثمانين في المائة من الإنتاج العالمي للنفط ، ويملك ما يزيد على الثلاثين في المائة من الاحتياطي العالمي، ولما يتمتع به من موقع استراتيجي متوسط في قلب العالم ، ولوجوده في منطقة حساسة تشكل مركزا للتوتر العالمي.
وجرى في هذه الحوارات بحث التصورات الأمنية في الخليج بأبعادها المتعددة، كما ناقش المتحاورون انعكاسات الوضع الأمني في العراق على دول المنطقة ، وانعكاسات التوتر الإيراني الأميركي حول الملف النووي الإيراني على الوضع في المنطقة، وليس سرا أيضا أن حشد الأساطيل الأطلسية والمناورات الغربية البحرية الضخمة التي جرت في الخليج العربي قبل يومين لها علاقة بهذه التوترات استغلالا لها كذريعة للتواجد العسكري في الخليج تطبيقا لتوجهات الحلف في التمدد شرقا وجنوبا.
كما أنه ليس سرا أن حشد الأساطيل الأطلسية في البحر المتوسط قبالة لبنان وبالقرب من سوريا، في استعراض للقوة الأميركية الأطلسية، ليس له علاقة بما زعم من مراقبة تهريب السلاح، بل هي تطبيق أولي لإستراتيجية الحلف، وتهدف لتوجيه رسالة تهديد لأكثر من دولة من دول المنطقة أولها إيران للتأثير على موقفها مع الغرب في أزمة الملف النووي، وتاليتها سوريا لمحاولة ترويض مواقفها لصالح أميركا وإسرائيل.
وليس خافيا على أحد أن هذا التمدد الاستراتيجي الأميركي والأوروبي الذي يمثله الحلف الأطلسي بهذا التوجه نحو المنطقة العربية المتوسطية والخليجية، إنما ينطلق من أجندة استراتيجية غربية عالمية تتعدى حدود هذه المنطقة، ولكن انطلاقا من هذه المنطقة التى تمتد لتشمل العالم الإسلامي كله من اندونيسيا إلى المغرب والتي تطلق عليها الإدارة الأميركية وصف «الشرق الأوسط الكبير»، وهذا التمدد يجيء في أعقاب عدة متغيرات ومستجدات عالمية، منها تنامي ظاهرة الإرهاب بعد الحادي عشر من سبتمبر، وزيادة المخاوف الأطلسية من انتشار أسلحة الدمار الشامل في أيدي غير صديقة للغرب، وغياب حلف «وارسو» من الساحة العالمية ، مما فتح شهية الناتو للتوسع شرقا ، وتغيير إستراتيجيته ليقوم بدور سياسي بعد أن كان عسكريا فقط ، وفى خارج أراضيه بعد أن كان قاصرا على أراضي دوله فقط ، وبشن عمليات استباقية بعد أن كان دفاعيا فقط.
وقد ركز التوجه الجديد للحلف نحو الجنوب على محورين الأول متوسطي والثاني خليجي، وقد سبق أن زار أمين عام حلف الناتو في هذا الإطار عددا من دول المنطقة المتوسطية هي مصر والأردن والمغرب وتونس والجزائر وموريتانيا و..إسرائيل، وطالب الحلف هذه الدول بالانخراط بشكل أقوى في عملية محاربة الإرهاب، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، ومكافحة عمليات الهجرة غير الشرعية وذلك في إطار المهام الجديدة للناتو، والتعاون مع دول البحر المتوسط العربية لحماية الأمن الأوروبي.. وليس سرا أيضا أن بعض هذه المطالب ووجهت باعتراضات وتحفظات في عدد من هذه العواصم وبينها القاهرة.
وإذا انتقلنا من البحر المتوسط إلى الخليج العربي فمن المهم معاودة قراءة الملف من أول صفحة، حيث اتجه الحلف إلى الاهتمام بالشرق الأوسط ودول الخليج العربي منذ عام 1994 ومنذ ذلك التاريخ والحوار قائم، وشهدت الدوحة في أبريل عام 2004 ندوة بعنوان «تحولات الناتو والأمن في الخليج»، ومع قمة حلف الناتو في « اسطنبول» اتجه الحلف لتطوير «الحوار» إلى اسم جديد هو«الشراكة» في إطار عملية تمدد استراتيجي للناتو في المنطقة..
حيث دعت قمة الحلف إلى التوصل إلى شراكة مع دول الشرق الأوسط والخليج العربي في مجالات الأمن والدفاع لمواجهة الإرهاب، على الرغم من الخلاف الذي لا يزال قائما بين الجانبين حول مفهوم الإرهاب، خصوصا وأن التعريف الغربي للإرهاب لا يفرق بين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة، والإرهاب العدواني العشوائي الذي يقتل المسالمين الأبرياء بغير ذنب والمخالف لشرائع الأديان والذي تجرمه القوانين الوضعية في دول العالم.
وسر الاهتمام بهذه المنطقة ينبع من وجهة نظر الناتو إلى أن الشرق الأوسط هو مستودع لما يسمى بالإرهاب الذي يهدد الأمن الأوروبي والعالمي من ناحية، ومن ناحية أخرى تطبيقاً لإستراتيجية الحلف الجديدة وتحوله من منظمة دفاعية لا تتدخل إلا بعد وقوع اعتداء على إحدى الدول الأعضاء على أرض دول الحلف، إلى منظمة سياسية أمنية تهدف إلى « درء المخاطر» أي إلى المبادرة الاستباقية أو الحروب الوقائية في خارج أرض الحلف وفي نطاق أوسع يمتد من غرب الأطلنطي إلى شرق أوروبا وحتى جنوب المتوسط.
يحدث هذا بعدما ظلت حكومات وشعوب هذه المنطقة وعلى مدى سنوات طويلة تنأى بنفسها عن سياسة الأحلاف العسكرية مع القوى الكبرى للتباين الطبيعي في الأهداف، ولعدم التوازن في القوى بين الطرفين، مما يجعل العرب في حالة الدخول في الأحلاف هم الشريك الأصغر والأضعف، وبالتالي فلن تكون له إراداته السياسية المستقلة في مثل هذه الشراكة.
لقد ظلت معظم دول الشرق العربي الإسلامي تجد أمنها واستقلالها طوال سنوات الحرب الباردة في إطار مبادئ حركة عدم الانحياز، وفي إطار مؤسساتها السياسية والأمنية الإقليمية الجماعية كجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
إلا أن انتهاء الحرب الباردة مع انهيار سور برلين، وتفكك الاتحاد السوفييتي أخل بالتوازن الاستراتيجي بين القوى الكبرى في العالم مما ضيق من هامش المناورة أمام الدول غير المنحازة.. ومما سمح للولايات المتحدة العضو الأبرز في حلف شمال الأطلسي أن تصبح القوة العظمى الأولى في العالم، ومع تطلعها لأن تجعل هذا القرن أميركياً، زادت نزعات الهيمنة ليس على الشرق الأوسط فقط ولكن على أوروبا أيضاً في ظل متغيرات في داخل المنطقة وفي داخل أميركا فتحت المجال للتمدد الاستراتيجي الغربي.
ومع غياب الفراغ الناتج عن عدم تفعيل العرب لدور مؤسساتهم الرسمية الجماعية وهي جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي في صياغة أي استراتيجية للتعامل مع أوروبا وأميركا، وفي غياب تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك للتساند فيما بينهم.. يتمدد الآخرون في فراغنا حتى تبدو العلاقة العربية ـ الغربية كما لو كانت تسير في اتجاه واحد من الشمال الأطلسي إلى الجنوب العربي، بالرغم من أن هذا أمر يضر بالأمن القومي العربي .
ويثير تحفظات واستياء معظم الشعوب العربية، إلا أن المشكلة هي في غياب الإرادة السياسية العربية المشتركة التي إذا توفرت لأدرك الكل وليس الجزء فقط أن أمنهم، الذي تمثل إسرائيل التهديد الرئيسي الآني والفعلي له وليس غيرها، لا يتوفر إلا بتفعيلهم لميثاق أمنهم الجماعي وفي مؤسساتهم العربية والإسلامية مع تطويرها إلى مظلة اتحادية تجعل حوارهم مع أوروبا هو بين «اتحاد أوروبي» واتحاد عربي» ®.وبين «غرب أوروبي أميركي» وبين «شرق عربي إسلامي» وحينها لن تكون حركة المرور تسير في اتجاه واحد فقط من الشمال إلى الجنوب، بل ستكون أيضا من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com