من بين التداعيات الجانبية للحرب الأميركية في فيتنام «1965 ـ 1975» ازدهار تجارة المخدرات السرية بحماية ومشاركة أميركية.
شحنات نبات الأفيون كانت تنقل جواً من مزارع لاوس في الجوار الإفريقي إلى سايغون عاصمة فيتنام الجنوبية، حيث يجري معالجتها كيماوياً لتحويلها إلى بودرة هيروين في مصانع سرية. وبعد ذلك تنقل شحنات الهيروين للتسويق في هونغ كونغ.
كانت عملية تجارية ضخمة يتشارك فيها رجال أعمال أميركيون مع رصفاء فيتناميين وجنرالات أميركيين لتوفير وسائل النقل والحماية.
الآن تجري عملية مشابهة في أفغانستان، حيث تستعر حرب بين قوات غربية بقيادة أميركية وقوات حركة طالبان الأفغانية على مدى السنوات الخمس الأخيرة.
قبل أن تطلق صواريخ كروز الأميركية العملاقة على العاصمة الأفغانية كابول في عام 2001 إيذاناً بالغزو الأميركي، كانت حكومة طالبان قد قضت على تجارة المخدرات بتدميرها المنظم لمزارع الأفيون، وبما أن أفغانستان تعتبر تقليدياً المنتج الأكبر للأفيون في العالم، فإن تدمير المزارع أدى بطبيعة الحال إلى ندرة في المعروض من مخدر الهيروين في السوق الأميركية ـ المستهلك الأكبر في العالم لهذه المادة الخطيرة.
ولكن الآن وبعد خمس سنوات من الغزو الأميركي تبدلت الصورة تماما، فرويدا عادت مزارع الأفيون وتوسعت وازدهرت برعاية أميركية.
أصحاب المزارع هم أمراء الحرب الذين تولت ميليشياتهم العبء الأعظم في الحرب الأرضية التي تلت عمليات القصف الجوي الأميركية حيث كان مقاتلوهم يتقدمون القوات الأميركية في مسلسل المعارك البرية.
وبينما لا ندري على وجه الدقة ما إذا كان أمراء الحرب تلقوا تعهدا مسبقا من القيادة الأميركية بأن مكافأتهم الكبرى ستكون السماح بإعادة مزارع الأفيون إلا أن الثابت الآن أن أمراء الحرب حصلوا بالفعل على ما كانوا يحلمون به.
كما كان الأمر في الحالة الفيتنامية فإن وسائل الإعلام الغربية تفيدنا الآن بأن الأفيون الأفغاني ينقل من المزارع إلى مصانع سرية لتحويله إلى بودرة الهيروين لتنقل أطنان البودرة بعد ذلك عبر رحلة طويلة إلى أسواق الاستهلاك في الولايات المتحدة وأوروبا.
وبينما يدفع أمراء الحرب للمزارع الأفغاني البسيط من 40 إلى 100 دولار عن كيلو الأفيون الخام فإن المهربين الأميركيين يبيعون كيلو البودرة في السوق الأميركية بنحو 6 آلاف إلى 60 ألف دولار اعتماداً على نوعية الجودة. والأعلى سعراً هو الأنقى بياضاً.
هنا نرى مفارقة. فممارسات أمراء الحرب في سياق الجريمة المنظمة لا تدخل من المنظور الأميركي في تصنيف الأعمال الإرهابية.. بل إن أمراء الحرب شركاء ينبغي حمايتهم عوضا عن ملاحقتهم وقتالهم.
وقس على ذلك جماعات الجريمة المنظمة الأخرى، فالولايات المتحدة غير معنية إطلاقا بتجارة تهريب النساء والأطفال من بلدان أوروبا الشرقية وشرق آسيا وما يتبعها من تجارة الدعارة في المدن الغربية ، إضافة إلى تجارة المخدرات العالمية.
هل نخطئ إذن إذا وصفنا الحرب الأميركية في أفغانستان بأنها حرب قذرة بكل ما تحمل الكلمة من معانِ قبيحة؟