تسود الساحة الملتهبة، في المنطقة، ظاهرة شراء الوقت في مواجهة استحقاقاتها الداهمة. أزماتها الداخلية باتت تدور في حلقة مفرغة، كأنها بلغت الطريق المسدود. أو أريد لها أن تبلغه، أي كأن التعقيد فيها ناتج عن إرادات ومشاريع برّانية. وبالتالي غرقت معالجتها في العجز والإفلاس، وربما لأن هذه الأزمات باتت محكومة بعقلية الحسم الميداني، لذلك صارت تبدو وكأنها في حالة تدوير، يهدد بالانفلات من اليد، واستطراداً بانهيارات مخيفة، والوقوع في المحظور الذي يريده أعداء المنطقة، وهو المزيد من الاهتراء والتمزق، مع التأسيس لأوضاع ومعادلات، لا قعر لهاوية الصراعات التي تستولدها.

وتبدو هذه الظاهرة جلية في الحالات الفلسطينية واللبنانية والعراقية، التي وصلت إلى درجة من سرعة العطب، لم تعد معها تطيق أو تحتمل التعويل على ورقة الوقت في معالجة أزماتها، فقد بلغ منسوب الاحتقان فيها نقطة التخمة، وكل يوم يمر ـ أو ربما كل ساعة ـ من دون استدراك واعد، يزيد من احتمال انفتاحها على المجهول المدمّر، خاصة في فلسطين ولبنان.

ففي الأولى تحوّلت الأزمة السياسية المستحكمة بساحتها منذ مطلع العام، إلى دوّامة تنذر بعواقب وخيمة، تداعياتها تكاد تستنزف الوضع وتؤدي به إلى الانهيار الكامل، في ظلها، الشعب الفلسطيني محاصر ومستهدف بالتجويع والتركيع. بل بتصفية قضيته، إسرائيل تطارده على مدار الساعة، بالاغتيالات والقصف والاجتياحات، وواشنطن تتولى إحكام المقاطعة ضدّه ومحاولة خنقه بسدّ حنفية المساعدات.

وبدلاً من أن يؤدي ذلك إلى تعزيز أواصر الوحدة الوطنية وتمتين ركائزها، لتصبح أكثر قدرة على مواجهة الهجمة الكاسرة على الوضع الفلسطيني؛ وإذا بأطراف هذه الوحدة يعملون على تعزيز التباعد والصراع فيما بينهم، تماماً، كما لو أن ذلك استجابة لما تسعى إليه إسرائيل وإدارة بوش. كل دواعي وموجبات تشكيل حكومة ائتلافية في هذه اللحظة الضاغطة والدقيقة، لم تكن كافية لحمل القوى الفاعلة على التوافق حول صيغة مقبولة وبرنامج حلّ وسط، يستجيب للظرف الراهن.

صارت العملية لعبة عضّ أصابع بينهما. كل فريق يتمترس في خندقه، ويتشبث بطرحه ومواقفه ويرشف الآخر بقذائف الاتهامات والتحذيرات، معولاً على عامل الوقت علّه يتكفل بتغيير الظروف وتحسين أوراق المساومة. حكومة أولمرت سارعت إلى ترميم وضعها، لاستعادة المبادرة بعد هزّة عدوانها على لبنان، وجاءت بالعنصري ليبرمان إلى صفوفها؛ مع التهديد باجتياح غزة.

وكذلك هي الحال وربما أسوأ، على الصعيد اللبناني، العدوان الإسرائيلي الذي بدا خلال العمليات كعامل تقارب وتوحيد، تبددت مفاعيله، البلد يعيش الآن حالة غليان، في أعقاب التصعيد السياسي الخطير الذي بلغ ولأول مرة بعد الحرب الأهلية، حدود التهديد المتبادل بالنزول إلى الشارع!

ذكريات تلك الحرب عادت لتخيم على الوضع، حتى مع توكيد كل الأطراف على عدم السماح بوقوع الفتنة، أجواء التهدئة والاحتواء التي كانت طاولة الحوار المستديرة قد أشاعتها، قبل الحرب، تبخّرت، المواقف والشروط تصاعدت، ومعها انسدّت الفتحات والمخارج. لم يبق غير ورقة شراء الوقت التي لجأ إليها رئيس مجلس النواب، نبيه بري، عندما دعا إلى لقاءات تشاور لمدة أسبوعين، من المقرر أن تبدأ مطلع الأسبوع المقبل.

ولا يشذ الموضوع العراقي المنكوب عن القاعدة، فهو الآخر بات مربوطاً بمهلة زمنية، بالتوافق بين واشنطن وحكومة المالكي، لمعالجة الوضع الأمني الخارج عن أية سيطرة، والذي أغرق البلد في مجزرة متواصلة لا يتوقف نزيفها. في هذه الحالات ـ الساحات الثلاث ـ وصلت الأمور إلى الانسداد كنتيجة لتعثر الحوار وفشله،

وعندما يقفل هذا المدخل، الطبيعي والسليم لحلّ الإشكالات الداخلية ـ أو عندما يراد له أن يقفل ـ ويصبح شراء الوقت هو العملة الوحيدة المتداولة في بورصة الصراعات الداخلية؛ عندئذ لا يعود من المجازفة بشيء القول إن الأحوال سائرة نحو الأسوأ، وربما نحو المحظور، الذي يريده ويسعى إليه الآخرون والمتلاعبون بهذه الساحات، وهم كثر.

عنصر الزمن أساسي، في إدارة الصراعات، كما في خوضها، توظيفه في خدمة الهدف، عامل مهم في تحقيق المطلوب، لكن إذا جرى توظيفه لتعزيز أوراق أخرى فاعلة، وإلا فإن شراء الوقت يفقد قيمته حين يجري اللعب بورقته وحدها، فقط لتأجيل المحتوم ومحاولة الهروب منه، وهي محاولة خائبة في آخر المطاف.