اجتذبت ثلاثة كتب صدرت مؤخرا قدرا كبير من الاهتمام والمبيعات حول «الإخفاق التام» في العراق، هذه الكتب هي «كوبرا ـ 2» من تأليف مايكل جوردون وبرنارد ترينور و«حالة إنكار» لبوب وودوارد و«إخفاق تام» من تأليف توم ريكس. وهذه الإيضاحات المكتوبة بشكل جيد للوضع في العراق تكرر جميعها الطرح الذي أصبح معروفا للكافة وهو أن افتقار الإدارة الأميركية للكفاءة وكذلك غرورها وقفا وراء فشل أميركا في تحقيق ميلاد الديمقراطية في العراق.
على الرغم من ذلك، فإنه من الجدير بالملاحظة أن الكثير من الصور النقدية التي رسمها مؤلفو هذه الكتب تعتمد على مهارات شخصية ومصادر غير محددة الهوية. ومعظم المرشدين الأكثر إثارة للمتاعب في هذه الكتب لا يتم تحديد هويتهم أبدا وبالتالي لا سبيل إلى مساءلتهم. والمؤلفون باعتبارهم صحافيين يدركون تمام الإدراك أنه بعد مشكلات صحيفة «نيويورك تايمز» مع جيسون بلير والفضائح الإعلامية البارزة الأخرى فإن الرأي العام لم يعد يتقبل بالضرورة ما يكتبه الصحافيون باعتباره أمرا مسلما بصحته.
وربما يفسر ذلك تبنيهم والآخرين لمناهج البحث التي يلجأ إليها الباحثون والدارسون. وغالبا ما يعمد الصحافيون هذه الأيام إلى تقليد هوامش الكتب التي يحرص عليها المؤرخون، ويعطون في غمار ذلك الانطباع بأن ما يكتبون هو تأريخ موثق من خلال مصادر أولية وثانوية يمكن التحقق من صحتها وهي متاحة للقارئ كذلك.
تعد القابلية للتحقق من المادة المستخدمة من مصدر هي حقا ما يميز هذه النوعية من الكتابة الصحافية أو الذكريات المصاغة بضمير المتحدث. ومنذ عصر المؤرخ توسيديس، الذي لم يسجل ما يقوله المتحدثون فحسب، وإنما جعلهم على نحو أكثر إثارة للجدل يقولون ما يعتقد هو أنهم قالوه أو كان ينبغي أن يقولوه،
طور المؤرخون أساليب لضمان المصداقية. وسواء أكان المؤرخون يستخدمون الهوامش والاقتباسات أم لا يستخدمونها فإنهم يجمعون الآن على الاشتغال على معلومات يمكن للآخرين فحصها، ومن ثم يحددون مدى تمتع استخدام مثل هذه المصادر التي تم توظيفها بالمهارة أو الأمانة أو الكمال.
ولكن من خلال اللجوء غالبا إلى استخدام القشرة الخارجية الخادعة فقط للمنهاج الذي يستخدمه المؤرخون، فإن مؤلفي هذه الكتب الثلاثة يضعون على أعمالهم طبقة من المصداقية البحثية التي يمكن أن تضلل القارئ. وعلى سبيل المثال فإن كتاب «كوبرا ـ 2» تشير بعض الإحالات الواردة في نهاية هذا الكتاب إلى أن المعلومات التي يطرحها جاءت من «من ضابط سابق رفيع الرتبة» أو «مخطط سابق في المخابرات» أو «مسؤول بالخارجية الأميركية».
وغالباً ما نجد في كتاب «إخفاق تام» أنه لا تنسب مقتطفات حرفية إلى مصدر محدد يشار إليه بدقة، وإنما يشار بشكل غامض في النص إلى أن «هذا هو ما قاله مسؤول في إدارة بوش» أو «هذا هو ما ذكره ضابط». وبين الهوامش الختامية في كتاب «حالة إنكار» يقال لنا: «المعلومات الواردة في هذا الفصل مستمدة في المقام الأول من مقابلات حول الخلفية العامة للأحداث أجريت مع سبعة مصادر مطلعة».
ولكن من هم هؤلاء «المصادر المطلعة؟ حيث إن وودوارد لا يذكر هذه المصادر بالاسم حتى الآن كيف يمكننا أن نعرف حقا أنها مصادر مطلعة أو أنها استخدمت في المقام الأول؟ هل الإجابة هي لأنهم تحدثوا مع وودوارد وليس مع أي شخص آخر أم أنهم قد اختيروا بصورة مسبقة لأن ما قالوه تصادف أنه يتفق مع وجهات نظر المؤلف نفسه؟
في كتاب «كوبرا ـ 2» نتساءل عن السر في أن «مخطط سابق في المخابرات الأميركية» سيتحدث بينما سيختار آخرون التزام الصمت. وفي «إخفاق تام» حصل «المسؤول في إدارة بوش» الذي يسهب في الإدلاء بتصريحات لكنه يظل مجهولا يصفي الحسابات مع منافسيه من خلال الاكتفاء بتقديم تفسيره وحده لمحادثات تقاسمها في الماضي؟ هناك عدد آخر من الأمور الخاطئة في كل هذه الثرثرة الفضولية.
أولا: لاحظ النموذج المثير للحيرة والقلق في هذا اللجوء إلى التكتم على هوية الأشخاص. وعادة ما يدعم المصدر الذي لا يتم تحديد هويته النقد الذي يسوقه المؤلف، بالتالي فهو على الدوام تقريبا يلزم موقفا انتقادياً من السياسة الراهنة في العراق. ونادرا ما يقوم هؤلاء الصحافيون بالنقل عن مصادر غير محددة الاسم تختلف معهم في وجهات نظرهم، وذلك على الرغم من أن هناك بالتأكيد أصوات صريحة مؤيدة للسياسة الأميركية في العراق في صفوف ألوف الجنرالات المتقاعدين.
ثانياً: هناك قاعدة ثابتة قوامها حجب هوية المصادر في هذه النوعية من التأريخ. فعليك الحديث مع الصحافيين في وقت مبكر بقدر الإمكان من دون تسجيل ما تقوله على أمل أن يتعاطفوا مع ما تقوله. أما إذا لزمت الصمت فإن بعض أعدائك الثرثارين قد يشنون الهجوم عليك متمتعين بالأمان الذي يكفله حجب هويتهم، ويضمنون أن روايتك للأحداث، وليس روايتك لهم، هي التي ستصبح الرواية المعتمدة.
ثالثاً: إننا لا نقرأ صورا لمباريات غولف أو عروض أزياء وإنما للحدث الأكثر أهمية منذ نهاية الحرب الباردة. وعندما يكتب المرء تأريخا عسكريا في قلب الحرب فهناك مسؤولية يتعين التزام الحذر حيالها والحرص عليها بصورة فائقة. والتفسيرات التي تقدم في التوقيت الحقيقي لا تقدم درسا حول الماضي فحسب، وإنما هي قد تغير مسار الأحداث في غمار وقوعها.
وخلال الأسابيع الماضية قام مسؤولون سابقون وحاليون بالاعتراض مشيرين إلى أنهم وصفوا بصورة غير منصفة في كتاب وودوارد، وذهبوا إلى القول إن الأوضاع في العراق ليست بالسوء الذي تصفه المصادر المجهولة الواردة في الكتاب. وبينما كانت هناك انتقادات مسجلة لهذه الكتب الثلاثة جميعها، فإن أيا من موجهي الاتهام مجهولي الهوية الواردين فيها لم يتقدم لمناقشة الأمر.
إن هذه التأريخات الفعلية جميعها تزعم وجود «حالة إنكار» وافتقار إلى القابلية للمساءلة من جانب المسؤولين الحكوميين، ولكن كم هو غريب أن مؤلفي «كوبرا ـ 2» و«إخفاق تام» و«حالة إنكار» قد استخدموا التزام السرية والحيل التي يزعمون وجودها لانتقاد من يستهدفونهم في صفحات كتبهم».
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص ل«البيان»