هل يمكن القول بان التنوير العربي الإسلامي سبق التنوير الأوروبي إلى الوجود بثمانية قرون؟ نعم ولا. نعم إذا ما اعتبرنا ان العقلانية الفلسفية وجدت في العالم الإسلامي وتصالحت مع الدين إلى حد كبير قبل ان توجد في أوروبا بعدة قرون. وقد أثبت ذلك معظم المفكرين الذين درسوا الحضارة العربية في عصرها الذهبي ببغداد، والقاهرة، وقرطبة.
نذكر من بينهم الباحث الفرنسي آلان دوليبيرا الأستاذ في جامعتي جنيف وباريس في آن معاً. فقد اعترف في كتبه العديدة بفضل العرب على الغرب إبان العصور الوسطى وحتى مشارف النهضة الحديثة، وقال بأنهم لم يكونوا فقط الوعاء الناقل للفلسفة اليونانية إلى أوروبا وإنما أبدعوا وأضافوا إليها الجديد. ونذكر أيضاً محمد أركون الذي كرس كتاباً ضخماً لدراسة النزعة الإنسانية والعقلانية العربية في العصر الكلاسيكي (أو في القرن الرابع الهجري)
وقد وصل به الأمر إلى حد القول بان فلاسفة العرب والمسلمين من أمثال مسكويه والتوحيدي وأبي الحسن العامري وسواهم سبقوا كانط إلى عقلنه الدين أو مصالحة الدين مع العقل. ومعلوم ان الفيلسوف الألماني الكبير كان قد كرس كتاباً مهماً لهذه المسألة العويصة تحت عنوان: «الدين ضمن حدود العقل فقط» وقد هاجم فيه الخرافات والمعجزات السائدة في المسيحية والتي تعرقل مصالحتها مع العقل والعصر والعلم.
إلا إذا كان المقصود بذلك ان جرأة مفكري المسلمين كانت بنفس حجم جرأة مفكري أوروبا اثناء القرن الثامن عشر ولا نقصد بذلك ان مفكرينا كانوا أقل عبقرية من مفكري أوروبا، ولكننا نقصد بان وضع المعرفة في عصرهم لم يكن قد وصل إلى نفس المستوى من التطور الذي وصل إليه في أوروبا إبان القرن الثامن عشر، وبالتالي فما كان بإمكانهم ان يذهبوا في المغامرة الفكرية إلى أبعد مما ذهبوا إليه في عصرهم.
اما فلاسفة أوروبا فكان بإمكانهم أن يحققوا الاستقلالية الكاملة للعقل بالقياس إلى النقل، أو للفلسفة بالقياس إلى اللاهوت الديني. وهنا تكمن أكبر ثورة فكرية في تاريخ البشرية، وبالتالي فكلمة أركون عن المساواة بين كانط وفلاسفة الإسلام ينبغي أن نأخذها على حرفيتها. لقد أراد فقط التعبير عن إعجابه بجرأة وعظمة مفكرينا الأوائل من أجل بث الثقة في نفوسنا وتشجيعنا على مواصلة مسيرتهم بعزيمة أشد، ثم الذهاب إلى أبعد مما ذهبوا إليه في عصرهم وتوسيع هامش الحرية بمسافة إضافية.
لكن من هم هؤلاء المفكرون الأحرار في الإسلام يا ترى؟
عن هذا السؤال يجيب الباحث الفرنسي دومينيك أورفوا قائلاً: إنهم مجموعة من المفكرين الذين ظهروا في العصر الذهبي للحضارة العربية وتجرأوا على نقد العقائد الدينية بواسطة العقل والمنطق والفكر الفلسفي. وقد دفع بعضهم ثمن ذلك باهظاً كابن المقفع الذي قطعت أضلاعه ورمي جسده في تنور حام مليء بالنار،
ويمكن أن نذكر أيضاً الشاعر بشار بن برد الذي قتل أيضاً بتهمة الخروج على الدين أو الزندقة، نقول ذلك ونحن نعلم أنه وجد لدى الخلفاء العباسيين آنذاك ما يشبه محاكم التفتيش الأوروبية وذلك تحت اسم: ديوان الزنادقة. وكان هدفه التفتيش عن الكتاب الأحرار وتفحص مؤلفاتهم من أجل معاقبتهم إذا ما تم الكشف عن وجود أي انحراف عقائدي لديهم.
وبالتالي فمفكرو الإسلام دفعوا ثمن الحرية الفكرية قبل مفكري أوروبا بعدة عصور. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن ابن رشد الذي أهين في أواخر حياته من قبل الفقهاء المتشددين المعادين للفلسفة، وأحرقت كتبه ومنع تداولها في كل أنحاء العالم الإسلامي بعد موته. ولا ينبغي أن ننسى ما فعله الشاعر الكبير أبو العلاء المعري في رسالة الغفران واللزوميات.
فقد مجد العقل تمجيداً لا مثيل له وشكك بالكثير من العقائد والخرافات. ومعلوم أنه أثار عليه حفيظة رجال الدين أيضاً. بل واتهموه في عقيدته وكفروه مع التوحيدي وابن الراوندي. نقول ذلك على الرغم من أنه وصل بالأدب والفكر العربي إلى أعلى ذروة يمكن أن يصل إليها. فرسالة الغفران لا مثيل لها في تاريخ الآداب العربية، بل وحتى الأجنبية إذا ما استثنينا الكوميديا الالهية لدانتي. والكثيرون يعتقدون بأن الثانية متأثرة بالأولى.
ومن المفكرين الأحرار يمكن أن نذكر أيضاً حنين بن اسحاق صاحب مشروع الترجمة الكبير في عهد المأمون «بيت الحكمة» ومعلوم أن فضله على اللغة العربية كبير لأنه بترجمته للمؤلفات الإغريقية الكبرى استطاع أن يحول لغتنا إلى لفة فلسفية بالكامل بعد أن كانت لغة أدب وشعر وفقه وحديث فقط.
ويمكن أن نذكر أيضاً أبوبكر محمد بن زكريا الرازي، أشهر طبيب عربي في العصور الوسطى. ولكنه كان فيلسوفاً أيضاً وقد اشتهر بنقده الحاد لعقائد العامة وببلورته لنوع من التديُّن الفلسفي إذا جاز التعبير: أي التديُّن العقلاني. ويمكن أن نذكر أيضاً مفكرين آخرين عديدين وخاصة فلاسفة المعتزلة وإخوان الصفا، إلخ.
ولكن الفرق بين الوضع العربي والوضع الأوروبي كما يرى بعض الباحثين المعاصرين هو التالي: في الإسلام ظهر النقد الفكري الحر مبكراً، أما في المسيحية الأوروبية، فقد ظهر متأخراً والشيء المؤسف هو أنه خُنق في العالم الإسلامي بعد فترة من الزمن: أي بعد الدخول في عصر الانحطاط وإغلاق باب الاجتهاد.
أما في أوروبا فقد ظل متصاعداً تدريجياً حتى انتصر في نهاية المطاف على الفكر التقليدي الأصولي. ولهذا السبب استطاعت أوروبا أن تتحرر من وصاية الكهنة والمطارنة وبقية رجال الدين. ولم يستطع العالم العربي أن يفعل نفس الشيء حتى الآن. ولكن سوف يكون من الممتع أن يقوم أحدهم بدراسة مقارنة لوضع المفكرين الأحرار في الإسلام ووضعهم في أوروبا لكي نعرف أوجه التشابه والاختلاف، ثم لكي نعرف كيف رد عليهم رجال الدين المحافظون في كلتا الجهتين.
أعتقد شخصياً أن هذه الدراسة المقارنة أصبحت ضرورية لإضاءة الوضع المعقد الذي يتخبط فيه المثقفون العرب حالياً. فلو أننا وضعنا ردود الأصوليين المسيحيين على مفكري التنوير الأوروبي في مواجهة ردود الأصوليين المسلمين على مفكري التنوير العربي قديماً وحديثاً لانكشفت لنا مشكلة التطرف من كل جوانبها، ولأصبح الطريق إلى حلها سهلاً ميسوراً. وذلك لأنه بالمقارنة تتضح الأشياء.
نقول ذلك وبخاصة، إننا نقارن أنفسنا بأمم متطورة حلت مشكلتها الداخلية واستطاعت أن تحقق قفزات كبيرة في مجال الإنجاز الحضاري. وهذه الدراسة المقارنة هي ما كنت قد دعوته سابقاً: بعلم الأصوليات المقارنة، أو علم التنوير المقارن،لا فرق وقد آن الأوان لتأسيسه في العالم العربي.
كاتب سوري ـ باريس