«الموت سدى» هو الشعار الذي رفعه شباب المهاجرين العرب والأفارقة في الذكرى الأولى لاضطرابات ضواحي باريس التي دامت ثلاثة أسابيع في العام الماضي وأدت إلى حرق أكثر من 3000 سيارة والعديد من المحلات والبنايات. الاضطرابات كانت وسيلة للتعبير عن الاستياء الكبير لعشرات الآلاف من أبناء المهاجرين لعدم استجابة السلطات الفرنسية لمطالبهم وتهميشهم وإقصائهم من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الفرنسية.
ماذا تغير منذ العام الماضي وما هي الإجراءات التي اتخذتها السلطات الفرنسية لمعالجة مشكلات البطالة والتهميش والإقصاء والتفرقة والتمييز العنصري التي تعيشها وتعاني منها هذه الشريحة الاجتماعية؟ شباب الضواحي يؤكدون أن دار لقمان بقيت على حالها وأن أوضاع أبناء مهاجري شمال إفريقيا وإفريقيا السمراء والجاليات الأخرى التي تعيش في فرنسا لم تتغير ولن تتغير وأن السلطات الفرنسية لم تفعل شيئا، والدليل على ذلك هو أن البرامج الانتخابية للمترشحين للانتخابات الرئاسية المقبلة، ومنهم نيكولا ساركوزي وسيغولين رويال،
لم تشر لا من قريب ولا من بعيد لهذه الفئة الاجتماعية ولم تضع في الحسبان مشكلات الإقصاء والتهميش والتفرقة والعنصرية التي يعاني منها مئات الآلاف من الشباب الذين يعتبرون حسب الوثائق الرسمية للجمهورية الفرنسية فرنسيين كغيرهم من الشعب الفرنسي. لكن في فرنسا الأمر يختلف تماما فرغم أن أجداد وآباء هؤلاء الشباب ضحوا بأرواحهم من أجل تحرير فرنسا من مخالب النازية إلا أنهم لاقوا جزاء سينمار ومازالت فرنسا الشعبية وفرنسا الرسمية تنظر إليهم بحقد وكراهية وازدراء.
شعارات الحرية والمساواة والعدالة التي تتغنى بها فرنسا تواجه هذه الأيام تحديات كبيرة جدا في أرض الواقع حيث تعيش هذه الشعارات تناقضات صارخة وتعاني من وهم كبير وواقع ما زال لم يعترف بأن فرنسا هي مجتمع متعدد الأعراف والديانات والأقليات. فالتاريخ يقول إن رجالا من دول مختلفة وخاصة مستعمرات فرنسا في شمال إفريقيا والقارة السمراء وغيرها شاركوا في الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى وساهموا في تحرير المجتمع الفرنسي من النازية والفاشية أثناء الحرب العالمية الثانية.
لكن فرنسا اليوم لا تعترف بهذا الجميل حيث أنها تعامل أبناء وأحفاد الرجال الذين حرروا وبنوا وشيدوا على أنهم أشخاص من الدرجة الثانية والثالثة وأنه لا يمكنهم بأي حال من الأحوال أن يكونوا فرنسيين. وزير الداخلية الفرنسي الحالي «نيكولا ساركوزي» والمرشح للرئاسيات المقبلة في 2007 يتكلم عن قانون الهجرة «المختارة»، قانون يتناقض جملة وتفصيلا مع حقوق الإنسان ومع المبادئ التي قامت عليها الثورة الفرنسية.
أعمال الشغب في ضواحي باريس من قبل شباب المهاجرين العرب والأفارقة في أكتوبر 2005 تعبر عن فشل فرنسا في إدماج الجيل الثاني والثالث من أبناء رعايا مستعمراتها السابقة والذين يعتبرون فرنسيين حيث أنهم وُلدوا في فرنسا وتربوا وترعرعوا فيها ويحملون الوثائق الرسمية الفرنسية.
لكن رغم الوعود والشعارات ورغم الادعاءات العديدة فشل المجتمع الفرنسي في إدماج الجاليات المختلفة التي اختارت فرنسا أرضا لتعيش فيها. ففرنسا التي تدعي الحرية والمساواة والأخوة غير جاهزة وغير مستعدة لقبول الآخر وفشلت في إدماجه رغم أنها طلبت منه أن يذوب في المجتمع الفرنسي والثقافة الفرنسية من خلال سياسة الاندماج التي فرضتها عليه.
فالمتتبع اليوم لما يجري في فرنسا هذه الأيام يلاحظ العنصرية والإقصاء والتهميش والفشل الذريع في عملية إدماج الآخر. فقانون «الهجرة المختارة» على سبيل المثال يعبر عن النية الحقيقية لدولة لا تريد إدماج الآخر والاعتراف بالجميل الذي قدمه أبناء مستعمراتها في شمال إفريقيا
وفي إفريقيا السمراء في عملية تحريرها من النازية والفاشية وفي عملية البناء والتشييد. وهمّ المساواة وواقع التمييز يعكسان أطروحة منظّر الإمبريالية الفرنسي «جول فيري» الذي قسم الشعوب والأمم إلى شعوب متحضرة ومتفوقة خُلقت لتقود شعوبا وأمما أخرى متخلفة وجاهلة وغير قادرة على إدارة وحكم نفسها بنفسها.
قانون الهجرة المختارة وأعمال الشغب التي شهدتها فرنسا في خريف السنة الماضية مؤشران يعكسان أزمة ضمير وأزمة في العلاقات بين الشعوب والأمم والديانات والحضارات. فرغم التطور المادي والتكنولوجي الذي شهدته البشرية في العقود الأخيرة، ما زالت المنظومة الدولية تعاني من غياب التسامح والتفاهم والحوار واحترام الآخر بغض النظر عن عرقه ولونه ودينه ومعتقداته.
فبعد مرور سنة على أحداث الشغب في ضواحي باريس ما زالت فرنسا الرسمية لم تحدد معالم واضحة للتعامل مع مشكلة إدماج الجاليات التي تعيش على أرضها خاصة وأن الشباب الذين تظاهروا هم أبناء فرنسا وُلدوا فيها وهم من الجيل الثاني والثالث لمهاجرين بنوا أمجاد فرنسا.
فمن جهة يطالب اليمين بالهجرة المختارة والاستبعاد المنظم لمعظم الأشخاص الذين لا يملكون وثائق شرعية، ومن جهة أخرى هناك اليسار الذي يرى أنه بإمكان فرنسا الاستفادة من الهجرة. وبين هذا وذاك يدرك الملاحظ أن فرنسا لا تؤمن بشعاراتها ومبادئها حيث أن هناك فجوة كبيرة جدا بين شعار المساواة والعدالة وواقع التمييز الذي تعاني منه الجاليات في فرنسا.
يعيش في فرنسا اليوم أكثر من خمسة ملايين مسلم وأكثر من أربعة ملايين من السود وأكثر من خمسة ملايين عربي. لكن هذا التنوع لا يعني الكثير لفرنسا الرسمية التي تنظر لهذه الجاليات والأقليات بعين الازدراء والاحتقار والتهميش والتمييز المنظم. فرئيس الحزب الوطني «جون ماري لوبان» يرى أن هذه الجاليات تشكل خطرا على فرنسا وهي سبب الأمراض الاجتماعية والبطالة والجرائم وانتشار المخدرات.
فواقع فرنسا يقول ان هذا البلد بلد ملون ومتعدد الأعراف والأقليات والثقافات والديانات، لكن فرنسا الجمهورية الرسمية لا تؤمن بهذا الواقع وما زالت تتجاهل أنها بلد متعدد الأعراف والثقافات والديانات. على عكس العديد من الدول المتطورة والتي تعيش فيها شعوب من مختلف الأجناس والأعراق والديانات (الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا، أستراليا، نيو زيلاندا وكندا) فشلت فرنسا منذ أكثر من خمسة عقود من إدماج وصهر هذه الجاليات في المجتمع الفرنسي.
وما زالت فرنسا الرسمية تتخبط في أيديولوجية الإقصاء والتهميش وعدم الاعتراف بالآخر مهما كانت الظروف والاعتبارات. فالوثائق الرسمية تعترف بفرنسية ملايين المهاجرين من عرب وأفارقة ومسلمين، لكن فرنسا الرسمية تعتبر هذه الفئة غير فرنسية مئة بالمئة وتبقى من الدرجة الثانية أو الثالثة. والأخطر في هذه القضية هو النخبة المثقفة الفرنسية والمفكرون الفرنسيون الذين يصرون على التفوق العرقي والثقافي الفرنسي ما عدا قلة قليلة من اليسار التي تحاول تصحيح هذه الظاهرة، لكن بدون جدوى.
إلى متى تبقى فرنسا الرسمية تتجاهل أنها بلد متعدد الأعراف والتقاليد والديانات؟ وإلى متى تبقى تخفي رأسها في الرمل كالنعامة. مشكلة الضواحي باقية ومشكلة البطالة والإقصاء والتهميش في أوساط الجيل الثاني والثالث من عرب شمال إفريقيا والأفارقة موجودة ومستمرة ما لم يتخذ بشأنها موقف صارم وإجراءات وحلول عملية تشخص الداء وتضع الحلول العملية.
فخلال السنة الماضية تم رفع 20 ألف تظلم من سكان الضواحي للبرلمان الفرنسي، لكن أين الردود وأين الحلول؟ تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا في فرنسا والغرب بصفة عامة زاد الطين بلة وفتح الباب على مصراعيه للحاقدين وأعداء العرب والمسلمين لشن مختلف أنواع الحملات الدعائية والمغرضة لتثبيت الصور النمطية وإقصاء الآخر، والأخطر من كل هذا هو أن السلطات الفرنسية لم تبادر في فتح حوار صريح وجدي مع شباب الضواحي.
أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة