ماذا لقي الشعب الروسي من تطبيق النظام الديمقراطي في عصر ما بعد زوال الاتحاد السوفييتي؟ لقي من انتشار الإملاق والبؤس ما يضطر الرجال إلى التسول والنساء إلى ممارسة الدعارة في مجتمع ينتشر فيه داء السل على نحو شبه وبائي بسبب سوء التغذية وتدهور مؤسسات الخدمة الصحية التابعة للدولة.
فهل هناك شك في أن غالبية الشعب الروسي تنظر الآن للوراء بعين الحنين إلى الماضي السوفييتي غير الديمقراطي؟ الديمقراطية وسيلة وليست غاية في حد ذاتها. فالهدف المفترض هو تحقيق نقلة نوعية لغالبية المجتمع إلى حياة أفضل فأفضل. وإذا لم يتحقق هذا الهدف بصورة متجددة في مجتمع يطبق نظاماً ديمقراطياً تعددياً فلن تكون لصندوق الاقتراع سوى مجرد قيمة رمزية.
في الصين لا يتمتع المواطن بالحريات التي توفرها الديمقراطية ـ حرية التعبير وحرية التجمع وحرية الاعتقاد ـ لكن الأسرة الصينية العادية تتوفر لها أساسيات العيش الكريم في الغذاء الجيد والسكن الصحي وفرص العمل والرعاية الصحية المجانية وتعليم الأبناء حتى المستوى الجامعي بكلفة رمزية أقرب إلى المجان. ويبدو وكأن المعادلة التي تقدمها الطبقة الحاكمة إلى الشعب هي: أسلب منكم الحريات ولكن في المقابل أوفر لكم العيش الكريم.
قد تبدو هذه معادلة غير إنسانية، لكن انظر في العالم العربي والعالم الثالث عموماً لتجد أن الشريحة الحاكمة سلبت الشعب الحريات والعيش الكريم معاً. فالمواطن يعاني القهر مع الجوع في آن.. وهو موعود بالمزيد من القهر إذا سولت له نفسه الاحتجاج العلني على الجوع.
ما الذي يجعل النموذج الصيني مختلفاً عن بعض النماذج العربية علماً بأن كليهما يمثلان نظاماً استبدادياً؟ ربما تكون الإجابة ـ ولو جزئياً ـ هي اختلاف النموذج القيادي. فالعالم العربي لم يعرف زعامة متفردة كزعامة ماوتسي تونغ الذي قال عنه هنري كسينجر إنك في حضرته تشعر وكأن ذهنيته الفلسفية تحتويك وتحتوي ذهنية العالم بأسره.. أو زعامة خلفه دينغ شياو بنغ الذي تمثل شخصيته معادلة نادرة لمزيج بين الإيمان الايديولوجي الصارم والبراغماتية الواقعية ذات البصيرة النافذة.
لكن ليست هذه بإجابة كاملة. فالزعيم الفذ لا ينجبه إلا شعب فذ. هذه هي القضية الجوهرية. وربما كان عبدالناصر زعيماً فذاً على نحو ما. لكن عبدالناصر صعد إلى الزعامة بالقوة العسكرية القهرية. ولهذا كان سابقاً على الزمن العربي.ليس هذا قدحاً في الزعيم عبدالناصر، فهو الزعيم الذي جعل العالم يحترم أمة العرب، وهو الزعيم الذي عاش مقداماً نظيفاً.. ومات على ذلك.
ماذا نستخلص إذن؟ نستخلص ببساطة أننا شعب عربي خامد.. وشعب لا يريد الديمقراطية لأنه يرى في الاستبداد ظاهرة طبيعية حتى لو حرمه الاستبداد من الخبز مع حرمانه من الحريات.