حكومة أولمرت، التي دخلها رمز الكواسر العنصريين ليبرمان، باشرت بترجمة تهديدها لقطاع غزة، اللجنة الحكومية الأمنية المصغرة قررت مواصلة العدوان العسكري عليه، ومن دون تأخير بدأت عملياتها في بيت حانون، وكانت باكورة الانقضاض عدة قتلى وعشرات الجرحى، فضلاً عن جرف مساحات من الأراضي وتدمير لمجموعة من المنازل، بعد اجتياز خط الحدود والتلويح بالمزيد من العمليات.

منذ أيام وهي تتوعد القطاع بمثل هذه الهجمة المفتوحة على تصعيد نوعي يصل إلى حد الاجتياح، مع التهديد بإقفال ما يسمى بمعبر فيلادلفيا الفاصل بين غزة والأراضي المصرية. ثم أتى التعديل الحكومي الأخير ليشكل عنوان المرحلة الراهنة، في التعامل مع الوضع الفلسطيني، وهو عنوان مقروء وبوضوح وليس فيه أي غموض أو التباس. كما انه لا يحتمل أية أوهام، وكل الإشارات تحمل على الاعتقاد بأن عملية بيت حانون ليست سوى رأس جبل الجليد.

بيد أنه على الرغم من جلاء الصورة هذه وما تنطوي من مخاطر وتحديات لا تزال الأزمة الفلسطينية ـ الفلسطينية تراوح مكانها، فهي مسربلة بالخلافات السياسية ذاتها وبحساباتها. الوساطات والمساومات تبشّر باقتراب التوافق، الأطراف المعنية تتحدث بلغة «مواصلة المشاورات»، مع إشاعة أجواء التطمين بأنها تعمل لتحقيق المطلوب على صعيد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.

لكن على أرض الواقع صارت حكاية هذه الحكومة كحكاية ابريق الزيت، يسمع عنها الناس الكثير ولا يرون لها أثراً. وكأنها تحوّلت إلى لغز، أو إلى مولود موعود، محكوم بألا يرى النور. ففيما الظروف والمستجدات والاستحقاقات الهاجمة، تحتّم ويجب أن تحتم على الفلسطينيين أن يسرعوا في تجاوز العقبات أو تحييدها، في الوقت الراهن،

لصالح بناء جبهة وطنية كشرط واجب الوجوب لمواجهة ما في الجعبة الإسرائيلية من مخططات وسياسات تصفوية، وإذا بالحراك الفلسطيني يبدو وكأنه يدور حول نفسه، في حركة لم تفلح سوى إعادة انتاج الأزمة. فهذه تتأزم وتتصاعد ثم تعود إلى المربع الأول، مع علامات حلحلة محتملة، لتعود مجدداً إلى التأزيم أو الركود.

لو كانت الحالة والأوضاع الفلسطينية والإقليمية، غير ما هي عليه الآن، لكان يمكن فهم هذه الجرجرة، كذلك، لو كان الوضع الفلسطيني قادرا من غير ائتلاف حكومي على الصمود لفترة، لكان أيضاً من المبرر ألا يحصل التلاقي. لكن عندما يكون لا هذا ولا ذاك متوفرا، ويكون واقع الحال ضاغطا وخطيرا ويتطلب حشد كل القوى والطاقات التي لو اجتمعت كلها بالكاد ان تقوى على مواجهة الأخطار المحدقة،

فلا يعود من المعقول ولا المقبول أن يتواصل الجدل حول من الأسبق البيضة أم الدجاجة إذا كان الخطر الداهم يفرض أولويته، وإذا كان لا خلاف على صوابية هذه القاعدة وضرورة الالتزام بها، فإنه من المفترض عندئذ أن يكون الاتفاق حول القواسم المشتركة، وما أكثرها وأشدها الحاحاً على الساحة الفلسطينية،

عملية تحصيل حاصل، أو على الأقل أن تتسارع الخطى باتجاهه، خاصة بعد الذي شهدته الساحة السياسية الإسرائيلية وما صدر عنها من تهديدات، بدأت تأخذ طريقها إلى التنفيذ في غزة. والحبل على الجرار، والمزيد من الانتظار لن ينتج عنه إلا المزيد من الأضرار.