الاقتصاد وحده هو القادر على إصلاح ما لم تصلحه السياسة وهذه هي الحقيقة التي تنطق بها تجربة الاتحاد الأوروبي التي نجحت في إسدال الستار على تاريخ من النزيف الدموي وليس مجرد خلافات وحوادث متقطعة وعابرة.

وقياساً على ذلك فإن خطوات الاندماج الاقتصادي اليمني - الخليجي تبدو أكثر إمكانية وأسرع نتيجة، على اعتبار أن تاريخاً مشتركاً هو ما يجمع الكل وإن تخللته بعض التقلبات السياسية فقد كانت عابرة.

ولم يحدث، وعلى مر التاريخ، أن انقطع التبادل التجاري والتواصل الاقتصادي منذ رحلة الشتاء والصيف وحتى الآن، ولم تقف في وجهها أي من السدود والموانع الكبيرة التي عزلت بين الأقطار الأوروبية.

وما يميز الاندماج الاقتصادي في الجزيرة والخليج أنه يتوافر، إلى جانب الخلفية التاريخية، على القاعدة الشعبية سواء من خلال العمالة المهاجرة التي صبت مردوداتها في الاتجاهين التنمويين لبلد الاغتراب ووطن المنشأ.

وكذلك كان لحركة وانتقال السلع والأموال دورها المتصل بالمعاش اليومي لمواطني مجتمعات المنطقة، حيث اليمن مصدر ضروري للاحتياجات الغذائية من المنتجات الزراعية، والخليج مورد للمال الداعم لعملية التنمية اليمنية، وكان له إسهامه في انتعاش الحياة العامة.

وكان أيضاً أن أظهرت أزمات الخليج في نهاياتها صورة جديدة للاقتدار الاقتصادي اليمني - الخليجي، وكذا المؤهل السياسي على الاستفادة من الأزمات وتجاوز نقطة الإفادة من ظروف الاستقرار والعوامل المختلفة المؤكدة على حقيقة أن التعاون والتكامل هو السبيل الوحيد أمام مجتمعات ودول المنطقة.

ولا بد من ملاحظة أن الاندماج اليوم وغداً يتأسس على رصيد سابق من التعاون، والذي بدأ يتخذ منحى متطوراً عقب الازمات، متجهاً نحو إحلال مفهوم منتج له يستمد حيويته من الصيغة الاستثمارية المتبادلة والمشتركة التي من شأنها أن ترسي القاعدة الدائمة للشراكة الاقتصادية والاستقرار السياسي أهم وأقوى ثماره.

والحق يقال أن هذه الإيجابية الاقتصادية الثنائىة ترافقت مع تطورات هامة على الصعيد الداخلي اليمني، الذي شهد قدراً عالياً من التحسن الاقتصادي والتفوق على التوقعات في حالات ظاهرة، والذي تحقق على أرضية الاستقرار المالي والاقتصادي الذي استتبت أموره على مدى الأعوام وما يزال وسيظل.

ولا أدل على ذلك من الصمود الحقيقي، بل والاستمرارية التنموية التي أبداها الاقتصاد اليمني في مواجهة أزمة الانهيار السعري الشهير لقيمة النفط قبل أعوام.

وجاء الحدث التنموي الأهم بعد ذلك بقليل بالانتقال إلى المرحلة الاستراتيجية من خلال إعداد رؤية إنمائية ممتدة لأكثر من عقدين وتغطي الفترة حتى عام 2025م.

واليمن اليوم بمثابة ورشة عمل لعملية إصلاح حقيقي وشامل لجوانب القصور والخلل في مجال الأداء الإداري والقضائي من خلال الجهود التي بذلت ولا تزال لإنجاز منظومة التشريعات المعنية بالجانب الإداري والذمة المالية والارتقاء بأنظمة المناقصات، وكذا استكمال البنية المتطورة والحديثة للسلطة القضائية.

وتتأهل اليمن لمستوى أرقى للأداء الإداري والإنجاز الإنمائي عبر تجربتها الديمقراطية وما اتاحته من قيام المجالس المحلية المعنية بالإشراف على شؤون المحليات واكتساب أعضائها للخبرات العملية ليصبح لدى اليمن قدرة تنفيذية متواجدة على أوسع نطاق.

وبالإضافة إلى ما تراكم لدى الأشقاء الخليجيين من تجارب وخبرات لا يستهان بها فإننا مؤهلون جميعاً للعمل المشترك المحقق للتطلعات والطموحات الحضارية لشعوبنا.