وثيقة مكة المكرمة لحقن الدماء في العراق والتي انبثقت عن الاجتماع الذي ضم مرجعيات دينية مهمة وأساسية من السنة والشيعة العراقيين في مكة المكرمة قبل أسبوع هي تجسيد لعمل دبلوماسي جديد وفريد من نوعه قامت به الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
ولفهم طبيعة هذا العمل الدبلوماسي الجديد تجاه الأزمة العراقية الكبيرة والمعقدة هناك حاجة لفهم أمرين أساسيين هما طبيعة الأزمة التي يعيشها العراق وطبيعة المبادرة التي قامت بها منظمة المؤتمر الإسلامي كمحاولة لمعالجة الأزمة في العراق.
الأزمة في العراق هي أزمة مركبة ومعقدة ذات جذور سياسية واقتصادية واجتماعية وعقائدية بدأت منذ زمن طويل وتفاقمت مع وجود نظام سياسي غير حضاري منذ عام 1979 وازدادت سوءاً بسبب التدخلات الخارجية المختلفة وعلى رأسها الاحتلال العسكري الأميركي للعراق منذ ثلاث سنوات.
فالشعب العراقي الذي حكم لمدة طويلة من قبل نظام صدام حسين، وهو نظام ديكتاتوري ظالم عمل طوال سنوات الحكم على استغلال التنوع الطائفي والمذهبي والعرقي .
وعلى تغذية الفرقة والاختلاف بشتى الطرق والوسائل لضمان بقائه، أصبح مؤهلاً بطبيعة الحال لإبراز الخلافات الطائفية واستخدام العنف بل والوسائل الإرهابية من قبل البعض فور سقوط هذا النظام، وذلك لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية واجتماعية من قبل طائفة على حساب طائفة أخرى وعلى حساب وحدة الوطن العراقي ووحدة الشعب العراقي.
ولا يخفى على أحد أن الوضع الأمني في العراق تجاوز كل الحدود والأعراف الأخلاقية والإنسانية منذ عام 2003 عندما استبدل النظام السابق باحتلال عسكري أجنبي وأصبحت غالبية الشعب العراقي تعاني حالات الخوف والرعب والقتل المبرمج والذي يهدف إلى تمزيق الوحدة الوطنية بين كل فئات الشعب ومن ثم الوصول بالعراق إلى حالة اللاعودة من التقسيم الجغرافي الطائفي والمذهبي.
وبعد سقوط عاصمة العباسيين وكافة البلاد تحت سلطة الاحتلال الأميركي والفشل الذريع لسياسة المحتل الأجنبي في بسط الأمن والاستقرار منذ الأيام الأولى، إضافة إلى التدهور الخطير للأوضاع الاقتصادية والمعيشية للشعب العراقي، كل ذلك ساهم بقوة .
وبشكل مباشر على تغذية الفتنة الطائفية والمذهبية وانتشار المعانة والفوضى، الأمر الذي أوصل كل العراق والشعب العراقي إلى حافة حرب أهلية شاملة ستقود في نهاية المطاف إلى ما يحاول تجنبه كل الشرفاء في العالم، وهو تقسيم العراق إلى دويلات صغيرة، ستهدد بطبيعة الحال الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها.
في ظل هذه الظروف الصعبة وانطلاقاً من الحرص على وقف سفك الدماء والحفاظ على الوحدة الوطنية وإدراكاً من أن حل الأزمة العراقية هي أزمة متعددة الجوانب .
وأن حلها هو أيضاً حل متعدد الجوانب جاءت وثيقة مكة المكرمة ببعدها الديني لتحرم إراقة الدماء وتطالب كل الطوائف العمل الفوري على إنقاذ الوطن العراقي من خطر التقسيم وإنقاذ الشعب العراقي من الفتنة التي أوشكت أن تمزقه وتدمر وحدته الوطنية.
إذاً البعد الديني هو الأساس لهذه الوثيقة الهامة وليس البعد السياسي أو الاقتصادي أو العسكري. وهذا ما أكده منذ البداية الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو وقبلتها المرجعيات السنية والشيعية في العراق وقبلتها أيضاً الحكومة العراقية الممثلة برئيس وزرائها نوري المالكي، وباركتها كل الدول المجاورة للعراق ومجلس التعاون الخليجي وغالبية المرجعيات الدينية في العالم الإسلامي.
إن أهمية هذه الوثيقة التاريخية التي تم التوقيع عليها من قبل المرجعيات الدينية العراقية في رحاب مكة المكرمة وبالقرب من الكعبة المشرفة تكمن بشكل جوهري في عاملين أساسيين هما:
أولاً: أن صاحب هذه المبادرة هي الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي وهي منظمة وحيدة جامعة لكل البلدان الإسلامية بكل طوائفها ومذاهبها، والناطقة باسمها، والمعبرة عن قضاياها.
وبناء عليه فهي ارتأت أن عليها واجباً أمام الأمة الإسلامية وأمام التاريخ أن تبادر بالقيام بما يوقف نزيف الدم المراق في العراق، ومحاولة نزع فتيل الاقتتال الطائفي هناك. وهذه المبادرة كما أكد الأمين العام للمنظمة أنها ليست مؤتمراً ولا ندوة، ولن تكون فيها مفاوضات، وإنما إعلان لوثيقة مستقاة من الكتاب والسنة بما عليه إجماع الأمة.
بالمقابل حصلت هذه المبادرة على مباركة كبار رجال الدين من سنة وشيعة في العراق وخارجه لأنها تثبت حكم الدين الإسلامي في موضوع القتل العمد للمسلمين بغير حق أو حد شرعي، وهو حكم وقَع عليه إجماع الأمة بكل مذاهبها، يجرم هذا العمل، ويتوعد فاعله بأقسى أنواع العقوبة، وبالعذاب في الآخرة.
لذلك أصبحت هذه الوثيقة بمثابة تذكير لمسلمي العراق بفداحة جرم قتل النفس، وتجريم المراجع الدينية لهذا العمل الشنيع. وسيتم تشكيل لجنة خاصة لتعميم هذه الوثيقة في العراق بكافة وسائط النشر والإشهار، من صحافة مكتوبة، وإذاعات، وفضائيات، وجامعات ومدارس، وفي المساجد والحسينيات، في محاولة للقضاء على بواعث الاقتتال الطائفي الذي استفحل أمره مؤخراً، وصرف المسلمين العراقيين عن هذا النهج الخطير.
ثانياً: إن التركيز على البعد الديني في هذه الوثيقة لن يستثني بطبيعة الحال التأثير المباشر الذي سيقع على الجانب السياسي للأزمة العراقية. فالبعد الديني لأي أزمة في العالم الإسلامي يؤثر سلباً أو إيجاباً على البعد السياسي حسبما يراد له أن يكون.
بل أن البعد الديني لم يكن يوماً منفصلاً عن البعد السياسي في التاريخ الإسلامي لأن الدين الإسلامي لا يقتصر على الجوانب العقائدية فحسب، ولكنه يتطرق إلى كل مناحي الحياة عند المجتمعات الإسلامية. فهو دين شامل جامع يقوم العقيدة وينظم المجتمع ويفصل الأشياء ويتميز بالديمومة.
وعلى هذه الأسس الدينية الواضحة فإن وثيقة مكة الدينية لحقن الدماء في العراق هي أيضاً وثيقة سياسية لأنها تفصل بين الحق والباطل وترسخ ما هو إنساني وترفض ما هو إرهابي وتطالب بما هو واجب وطني وتؤسس لبناء مجتمع موحد تحكمه مصالح مشتركة.
إن الشعب العراقي كله مطالب بأن يستثمر هذه الوثيقة المباركة لجعلها دستوراً جديداً لعراق جديد موحد يرفض الفتنة ويشجب الإرهاب ويطمح بالاستقلال والسيادة ويعمل على إعادة إعمار الوطن الواحد لمصلحة الجميع ولبناء علاقات قوية ومتينة مع الجوار المباشر وباقي دول العالم.
كما أن وثيقة مكة المكرمة تحتاج لدعم قوي وفعال من قبل الجميع وخاصة الدول الإسلامية لأن مستقبل العراق والشعب العراقي هو جزء من مستقبل العالم الإسلامي والشعوب الإسلامية. وهذا سيتطلب بذل جهود كبيرة من أجل حقن الدماء في العراق وإعادة اعمار العراق لإنقاذه من خطر التقسيم.
وأخيراً لا بد من الإشارة أن المهمة القادمة لمنظمة المؤتمر الإسلامي لحقن الدماء في العراق هي بمستوى الأهمية إن لم تكن أكثر أهمية من تلك التي تم إنجازها في مكة المكرمة لأن وثيقة حقن الدماء في العراق لن تترجم على أرض الواقع ما لم تصاحب بإجراءات عملية ومتابعة دقيقة كي تنجح هذه الدبلوماسية الجديدة الواعدة التي انطلقت من مكة المكرمة ونأمل تتويجها قريباً في العراق.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com
