لاشك أن أيام 16 و18 و20 من ديسمبر المقبل سوف تكون أياماً بارزة في تاريخ دولة الإمارات، فلأول مرة في تاريخ الإمارات سوف تعقد انتخابات برلمانية، يختار فيها الجماهير الاتحادية نوابهم في الهيئات الانتخابية.
ويدير هذه الحملة الزميل الأكاديمي معالي الدكتور أنور محمد قرقاش وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي رئيس اللجنة الوطنية للانتخابات وتأتي هذه المقالة كرسالة إلى معاليه كنوع من المشاركة الوطنية في الهم الكبير الذي يحمله على عاتقه.
وأول ما نسجله في هذه الرسالة أن الهيئات الانتخابية بلغ عدد أعضائها 6689 يحق لهم الانتخاب والترشيح، وقد حاولت اللجنة الوطنية للانتخابات برئاسة معالي الدكتور أنور قرقاش أن تكون الانتخابات مراعية للطبيعة الإماراتية بما تتميز به من خصوصية.
وتعمل على تحقيق نوع من التوازن داخل قوائم الهيئات الانتخابية، حيث إن المجلس الاتحادي القادم سوف يتكون من انتخاب نصف الأعضاء من قبل الهيئة الانتخابية لكل إمارة بواقع مئة مضاعف لعدد المقاعد المخصصة لها كحد أدنى.
ولهذا فإن قوائم الهيئات الانتخابية تتكون من 1759 عضواً من إمارة أبوظبي، و1539 عضواً من إمارة دبي، و1041 من إمارة الشارقة، و441 من إمارة عجمان، و407 أعضاء من إمارة أم القيوين، و1084 عضواً من إمارة رأس الخيمة، و418 من إمارة الفجيرة.
ومن أبرز ما يلفت النظر في هذا العدد هو الحضور الكبير للمرأة الإماراتية، حيث يوجد بين أعضاء الهيئات الانتخابية 1189 مواطنة أي أن النساء شكلن نسبة 7,17% من إجمالي عدد الأعضاء ومن الملاحظ أن نسبة مشاركة النساء تتفاوت من إمارة إلى أخرى، مما يعني أن المرأة أصبحت تمارس دوراً رئيسياً في الحياة السياسية .
وفي العملية الانتخابية المقبلة، ولأول مرة ستكون لها فرصة تمثيل الجماهير الإماراتية والحصول على عدد من المقاعد في المجلس الوطني الاتحادي، بعد أن كانت خارج دائرة الحياة السياسية وخارج المجلس الوطني الذي كان مقصوراً على الرجال فقط، وكأن المجتمع لا يوجد فيه إلا الرجال!
أضيف إلى هذا أن استخدام التصويت الالكتروني بطريقة نرجو أن تكون دقيقة ومنظمة بحيث يؤدي التصويت الالكتروني أغراضه بكل دقة دون أي آثار سلبية على نتائج الانتخابات.
وسوف يسبق الحملة الانتخابية ويصاحبها حملة إعلامية تثقيفية تعرف المواطنين بأهداف الانتخابات الوطنية وتنشر ثقافة المشاركة السياسية والعملية الديمقراطية بين مختلف طبقات وشرائح المجتمع الإماراتي.
وقد سبق ان طالبنا بذلك في العديد من المقالات السابقة عند صدور قرار الانتخابات الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» في عام 2005 في ما يتعلق بالمشاركة السياسية.
واليوم نعاود التأكيد على ضرورة ان تأتي الحملة الإعلامية لنشر ثقافة المشاركة السياسية والعملية الديمقراطية على نحو مكثف وشامل لكافة ارجاء الإمارات من أبوظبي إلى الفجيرة، والنزول إلى القاعدة الشعبية، فنحن امام مسؤولية تاريخية امام الله تعالى والوطن والأمة الاتحادية.
واذا كان المجلس القادم يجمع بين التعيين والانتخاب لأعضاء المجلس مناصفة، فلاشك ان هذه خطوة على الطريق نحو مرحلة جديدة من العمل السياسي الديمقراطي الذي يقوم على تفعيل المشاركة الشعبية الأمر الذي سوف ينعكس على التنمية السياسية لدولة الإمارات، عبر خلق جو ايجابي من التفاعل الوطني، انتظاراً للحظة التي تحدث فيها مشاركة سياسية مباشرة تماماً لكل فرد من أفراد الشعب في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وتأتي هذه الانتخابات النصفية كخطوة على الطريق كما قلنا، بها إيجابيات وعليها بعض التحفظات، واذا ما بدأنا بالايجابيات نجد انها كثيرة والحمد لله، وقد أشرنا إلى بعضها أعلاه، ويضيف ايضاً ان من أهم مميزات تلك الانتخابات انها سوف تقضي على حالة الجمود السياسي التي مرت بها الإمارات لفترة طويلة.
فضلاً عن أنها سوف تدفع دولة الإمارات العربية المتحدة للدخول في ركب الدول التي تشهد حراكاً سياسياً، فمن الأسف رغم ان الإمارات من أسبق دول المنطقة في مضمار الحياة السياسية الفاعلة والدستورية إلا أنها في بعض الفترات تأخرت كثيراً مقارنة ببعض الدول العربية التي أسرعت من معدلات المشاركة السياسية حتى ولو كانت بشكل صوري!
ومن أهم مميزات الحالة الانتخابية التي تشهدها الدولة سد جزء من الفجوة بين المجلس الوطني والمجتمع المدني، ذلك المجتمع الذي ظل لفترات وسنوات طويلة معزولاً عن الحياة السياسية، بسبب وجود شبه عزلة ما بين مؤسسات المجتمع المدني وأعضاء المجلس الوطني المعنيين، لكن عملية الانتخاب سوف تربط بين النواب والجماهير الاتحادية الذين اختارتهم.
وإلا سوف يكون الفشل هو قدرهم المحتوم في أية انتخابات تالية، فالشعب اذا كان يمكن خداعه مرة فلا يمكن خداعه مرتين!! ولذا على كل مرشح ان يتأكد من صدق نواياه قبل ان يعد الناس بأي شيء، لأن حسابه سوف يكون عسيراً لو تبين للناس انه كان يعدهم ببعض الأوهام!
ومن ظني ان حداثة التجربة الانتخابية في الدولة الاتحادية سوف تؤدي إلى بعض الآثار الجانبية، ولا ينبغي ان يقلل هذا من أهمية التجربة ومواصلتها، ففي كل مرة سوف نتعلم أشياء جديدة وتقل السلبيات، وسوف تؤدي التجربة تلو الأخرى إلى زيادة النضج السياسي عند المواطن، حتى نصل إلى اليوم الذي ينتظره الجميع.
وهو المشاركة السياسية المباشرة تماماً لكل فرد من أفراد الدولة الاتحادية، وأن يكون كل فرد مواطناً كامل الأهلية السياسية، لديه القدرة على الدخول في الحوار الوطني وصنع مستقبل بلده والمشاركة في صنع القرارات الكبرى المتعلقة بسياسته الداخلية والخارجية.
ومن أكبر المميزات التي نرجو ان تؤدي إليها عملية انتخاب نصف أعضاء المجلس، أنها سوف تؤدي بقوة إلى تفعيل دوره بعد حالة السبات التي كان يعاني منها فيما يتعلق بمناقشة القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فقد كان يقتصر دوره في الماضي على تناول قضايا الخدمات والتوصيات فحسب!
وهكذا فالمميزات متعددة، لكن ثمة تحفظات يجب طرحها في هذا السياق. لعل أولها أن قائمة الهيئة الانتخابية تضم 2,2% فقط من الذين يحق لهم ممارسة حق انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني «البرلمان الاتحادي»، أما بقية الشعب من المواطنين المؤهلين لممارسة الحق الانتخابي والذين يشكلون 98% فليس لهم الحق في ذلك، بل عليهم الانتظار بعض الوقت أو بعض السنوات، التي نرجو ألا تطول.
ولذا فنحن نرى انه رغم ان التدرج ضروري في التطور السياسي، لكن لابد من ان تسير عجلة التطور بطريقة أسرع مع عدم الإخلال بنسبة التدرج الذي يتناسب مع طبيعة التركيبة الإماراتية.
لكن أليست توجد مشكلة حقيقية في تقسيم مجتمع الإمارات إلى طائفتين: طائفة يحق لها الانتخاب، وطائفة لا يحق لها أليس لهذا انعكاسات سياسية بل واجتماعية على الانسجام الاجتماعي!؟
جامعة الإمارات
razak-doc@hotmal.com