التحذيرات من احتمال سقوط العراق في لجة حرب أهلية واسعة، تهدد بتفكيك البلد؛ لغة متداولة منذ انفجار العنف بعد الاحتلال. المخاوف من مثل هذا الانفجار المهلك تعززت وازدادت مع اتساع دائرة الجرح ونزفه.

وهي مشروعة ولها مسوغاتها. لكن الموجة الجديدة منها - أي التحذيرات - تبدو اكثر من روتين مألوف. فهي تستوقف من حيث المراجع والجهات الصادرة عنها؛ كما من حيث تزامنها وإشاراتها الصريحة.

الأهم من ذلك انها تصدر بصيغة هي اقرب الى النداء الأخير الذي يرمي الى الحث على الاستدراك والحيلولة دون وصول الأمور الى حافة الهاوية هذه. وبعضها اقرب الى التنبيه وتحضير النفوس، الا ان مثل هذه النهاية باتت في حكم تحصيل الحاصل! وكلها تبدو بمثابة قرع ناقوس الخطر.

في تقرير سري جديد صادر من حوالي أسبوعين، كما ذكرت نيويورك تايمز، عن القيادة الوسطى للقوات الأميركية؛ جاء بأن الأوضاع «تنحرف باتجاه الفوضى» وذلك حسب المؤشر المعتمد عسكريا ك«بارومتر» لقياس مؤشرات الحرب الأهلية.

يستند التقييم في ذلك الى التدهور الحاصل في العنف المذهبي؛ كما الى «مؤشرات التردي» خلال أكتوبر؛ ومنها «التطهير العرقي» وتوسع أعمال العنف «جغرافيا»!

في اليوم ذاته أطلق السفير السعودي في واشنطن الأمير تركي الفيصل، تحذيرا واضحا من وقوع التقسيم في العراق - على خلفية ما يشهده البلد من عنف طائفي - لما قد يؤدي اليه من «تطهير» مذهبي. وكانت تقارير قد ذكرت مؤخرا ان العنف المستشري قد تسبب في زيادة عدد اللاجئين الهاربين من المناطق المختلطة التي يجتاحها مثل هذا العنف.

وفي هذا السياق يندرج كلام الرئيس جلال الطالباني، الذي قال ان أي انسحاب مفاجئ للقوات الأميركية، من شأنه ان يترك آثارا مدمرة. وذلك في إشارة لا تخطئ الى ما تنطوي عليه الساحة من عوامل التفجير الأهلي. ويمكن ان يندرج أيضا في هذا الإطار ما تردد عن صدور تقارير تتحدث عن ان القوات الأمنية العراقية «مخترقة بنسبة 70%» الأمر الذي من شأنه - اذا صح التقدير - ان يفاقم مخاطر الاشتباك المدني.

كل هذه الإشارات التي توالت في هذا السياق، احتشدت في لحظة يختلط فيها الحابل السياسي بالنابل الأمني على نحو؛ يزيد من جديتها ويضعها في مرتبة الإنذار. كما يزيد من الارتياب بأن المسرح العراقي قادم على تحولات جذرية قاسية. سيما وان موجة التحذيرات هذه كان سبقها، قبل ايام، كلام للرئيس بوش خلال مؤتمر صحافي، قال فيه «ان لصبر أميركا حدودا»! وهي عبارة استوقفت المراقبين، لما يكون الرئيس قد قصد من ورائها. خاصة وانه لم يسبق ان تفوه بها حول العراق.

وها هي إدارته تقوم أمس بتسريب جزء من هذا التقرير الى نيويورك تايمز. الأمر الذي يطرح عدة أسئلة: لماذا الترويج الآن لصورة مفادها ان الوضع العراقي سائر الى الهاوية؟

هل في جعبة واشنطن خطوة مفاجئة من النوع الذي دفع الرئيس العراقي الى التحذير منها؟ ثم ماذا تفعل قوات الاحتلال في العراق وهي ترى ما يحصل أمامها من تدهور في اتجاه حرب أهلية هل دخلت واشنطن مرحلة نفض اليد من وضع مبتلى باحتلال وبعنف أهلي لا يرحم؟

لا ينتظر احد من واشنطن او غيرها تقديم الجواب الشافي ولا حاجة اليه فالثابت والمعروف ان العراق مهدد بالصميم. والذي بات معروفا أكثر ان انتشاله من محنته لن يحصل سوى على أيدي أهله. والكرة بملعبهم.