نغبط دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة لاتخاذها قرارات تاريخية صائبة تصب في صالح مواطنيها وتساهم في بناء دولة عصرية حديثة تلحق بركب الأمم المتقدمة.
والحق أن دولة الإمارات قد تجاوزت في الكثير من قراراتها «العقد البيروقراطية» و «تجاذبات أصحاب المصالح الضيقة» التي تحول في مجتمعات عربية كثيرة حل مشكلات اجتماعية عالقة وتتركها للزمن كي تتفاقم وتصبح مستعصية. ولعل قرار الإمارات التاريخي في وضع حل لمشكلة عديمي الجنسية حلاً نهائياً دليلاً على ما نقول.
وعديمو الجنسية هؤلاء هم البدون حسب التسمية الخليجية. وقد اشتهرت الكويت باحتضانها لعدد كبير من هذه الفئة، ومنها شاع هذا المصطلح الشعبي الذي يشير إلى عدم حصول الفرد على الجنسية رغم ادعائه بحقه فيها.
وتتشارك مجتمعات الخليج العربي في وجود فئة البدون ضمن نسيجها الاجتماعي وإن بدرجات متفاوتة وبنسب مختلفة إلى مجموع سكانها. وتحول نقص المعلومات عن إعطاء صورة واضحة عن عددهم في كل دولة وفي تلك الدول مجتمعة.
ولعل المعلومات الأخيرة التي تناقلتها الصحافة بعد إعلان وزير الداخلية الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان بعزم الحكومة على وضع حد نهائي لهذه المشكلة أشارت إلى عشرة آلاف شخص (القبس الكويتية 26/10)، ترجع أصولهم ـ حسب المصدر الصحافي ذاته ـ إلى أصول إيرانية وآسيوية ومن زنجبار التي تربطها تاريخياً علاقات تجارية وثيقة بمنطقة الخليج العربي.
وظهرت معلومات في البحرين في العام 2000 تشير إلى وجود نفس ذلك العدد تقريباً من البدون أو غير الحاصلين على الجنسية، حيث تم تجنيسهم جميعاً بقرار جريء افتتح به الملك حمد بن عيسى عهده الجديد.
ولعل مسألة التجنيس وإعطاء المتجنس الحقوق السياسية دون فترة اختبار كحق الترشيح والانتخاب من القضايا الساخنة المطروحة هذه الأيام في الانتخابات النيابية في البحرين. فالبعض يخشى من أنه بواسطة التجنيس يتم تغيير التركيبة السكانية بما يخل بتوازناتها الطائفية المعروفة.
أما في الكويت التي اشتهرت بوجود هذه الظاهرة بها فإن عدد البدون قد تقلص، فبعد أن وصلوا إلى 220 ألفاً في يوم الثاني من أغسطس من العام 1990، انخفض عددهم بعد تحرير الكويت إلى 120 ألفاً، أي أن 100 ألف تقريباً رجعوا إلى مواطنهم الأصلية أثناء الغزو.
ويصل عددهم حالياً إلى 80 ألفاً بعد أن استخرج الكثير منهم جنسياتهم الأصلية وحصلوا على الإقامة الشرعية، أو استخرجوا «جوازات سفر» من بلدان أخرى كأفغانستان وجزر بحر الكاريبي وغيرها!! وأصبحنا نرى شخصاً عربياً قحاً وقد حمل «الجواز الأفغاني» وآخر يحمل جواز «جمهورية الدومنيكان» وهو لا يعلم حتى موقعها في الخريطة!!
ومعلوماتنا عن عديمي الجنسية في المملكة العربية السعودية وعمان وقطر شحيحة وهي لا تشفي الغليل نستقى معظمها من أصدقائنا الأكاديميين أو من مقابلاتنا مع أشخاص من تلك الدول كوننا مهتمين بقضية الجنسية عموماً وبقضية البدون خصوصاً اهتماماً علمياً أكاديمياً. والمقام هنا لا يسمح بعرض كل المعلومات.
و لابد من الإشارة إلى أن ظاهرة انعدام الجنسية ليست مقتصرة على مجتمعات الخليج العربي، بل هي أيضاً موجودة في أكثر من دولة عربية وعلى الأخص في لبنان وسوريا ومعظم هؤلاء في سوريا ينتمون إلى الأقلية الكردية الذين لم يدخلوا في التعداد السكاني الذي أجرته الحكومة أوائل الستينات من القرن الماضي.
ولانعدم أن نلحظ هذه الظاهرة في أكثر من بقعة خارج الوطن العربي أيضاً، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، برزت ظاهرة انعدام الجنسية بحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1989 في تلك الجمهوريات التي استقلت عنها .
والتي تمتلك أقليات من القومية الروسية التي عاشت أجيالاً عديدة منها في تلك المناطق والذين أصبحوا في فترة انهيار النظام السوفييتي غير مرغوب بمنحهم جنسيات الأمم الجديدة. وهذه الظاهرة أشد ما تكون في جمهوريات البلطيق: لاتفيا ولتوانيا واستونيا الصغيرة.
ومشكلة البدون في منطقتنا الخليجية هي من مصاحبات بناء الدولة الحديثة، الذي بدأ بعد توحيد الجزيرة العربية في المملكة العربية السعودية وبالذات بعد ظهور النفط في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
وفي الكويت في الخمسينات، وفي بقية دول الخليج العربي بعد العام 1970. فقد واجهت مؤسسات الدولة الناشئة مشكلة تحديد سكانها أو مواطنيها نظراً للتشابك العائلي والقبلي بين أبناء المنطقة فضلاً عن سعي الكثيرين للحصول على الجنسية الخليجية ممن لا يستحقونها للتمتع بالحصول على امتيازاتها العديدة. ومن المعروف أن السكان أو المواطنين هم من العناصر المكونة لكيان أي دولة فضلاً عن الإقليم والسلطة السياسية.
وإذا كان ضعف الأجهزة الأمنية للدولة في المنطقة في بدايات تكونها عاملاً ساعد على نشوء هذه الظاهرة عن طريق التهريب والإقامة غير الشرعية، فإن هذه الأجهزة باتت تسيطر على حدود المنطقة وباتت أيضاً التقنيات الحديثة بقدرتها الفائقة على تخزين المعلومات والاستفادة منها عند الحاجة متوفرة، لذلك والحال هذه، لا بد من الإسراع في حل هذه المشكلة.
كما فعلت البحرين في العام 2000 ، وكما تزمع الإمارات أن تفعل. إذ إن من يعتبرون أنفسهم في عداد العديمي الجنسية باتوا معروفين للسلطات في المنطقة، وبالتالي من سيدعي إنه من هذه الفئة بعد وضع نهاية للمشكلة لن يأخذ بإدعائه وسوف يعتبر من المقيمين بصورة غير قانونية.
ولعل أفضل حل لمشكلة البدون في منطقتنا الخليجية هو منحهم الجنسية، إذ إن الغالبية الساحقة من هؤلاء من العرب أو من القريبين جغرافياً من المنطقة وبالتالي فهم جزء من النسيج الاجتماعي والثقافي للخليج العربي، وهم قد عاشوا فترات طويلة في هذه المنطقة بحيث أصبحوا من أهلها، وتربط الكثير منهم بوشائج المصاهرة والقربى مع مواطنيها.
ثم فوق هذا وذاك، فالمنطقة غنية بثرواتها النفطية الهائلة وهي أساساً تشكو من خلل في تركيبتها السكانية. إن تجنيس بضعة ألوف في هذه الدولة وتلك لن يقلل من امتيازات أهلها كما يشاع، بل سيحل مشكلة لها أبعاد اجتماعية وأمنية خطيرة.
ولعل دول الخليج العربي تستطيع تطبيق الاتفاقيات الدولية الخاصة بمعالجة حالات انعدام الجنسية وكلها تحث على إما تجنيس هؤلاء أو إفساح المجال أمامهم كي يعيشوا حياة كريمة كتمتعهم بحق العمل والتعليم وغيرها من الخدمات الإنسانية.خطوة مباركة قامت بها دولة الإمارات نتمنى أن تكون مثالاً جيداً للآخرين.