كثيرة هي المصطلحات التي تطلق بين الحين والآخر وتتضمن مفاهيم ومضامين لا يدرك الكثيرون أبعادها وآثارها إلا بعد تحويلها من مجرد أفكار ومبادئ امة إلى واقع لتحقيق أهداف معينة في مرحلة معينة. لقد حاولت أن أبحث في الخرائط الجغرافية لما يسمى بالشرق الأوسط فوجدت صعوبة في تحدد وفهم الدول التي تضمها هذه الخرائط الشرق أوسطية.
بداهة من يقرأ ويسمع عن الشرق والشرق الأدنى يتوقع ان يكون هناك شرقا أوسطا لكن ما هي الحدود الجغرافية لهذا الشرق الأوسط هي غير واضحة، ولم يتمكن أحد حتى الآن أن يقول لنا هل هذا المصطلح جغرافي أم سياسي أو كليهما معا؟ ما هي مكونات هذه المنطقة المسماة بالشرق الأوسط؟
وكيف أن مصر التي تقع في شمال إفريقيا تقع في الشرق الأوسط وهل السودان يقع في الشرق الأوسط؟ ثم ماذا عن حدوده شرقا باتجاه باكستان وأفغانستان وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة؟ وإذا كانت منطقة جنوب الجزيرة تقع ضمن هذه الخريطة فماذا عن القرن الإفريقي القريب منها؟ مطلب من الجغرافيين أن يقولوا لنا ما هي حدود الشرق الأوسط؟.
لقد ظهر هذا المصطلح أميركا وبريطانيا منذ بداية القرن العشرين وبدأ الاهتمام به بعد الحرب العالمية الأولى، وبدأ التركيز عليه أميركيا بعد الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأميركية ونظرا لمصالح الولايات المتحدة والغرب عموما الحيوية في هذه المنطقة والتي تتركز حول النفط والتجارة وإسرائيل لم تحدد هذا المصطلح بل أعطته مضمونا ومفهوما يخدم مصالحها ومصالح إسرائيل على المدى الطويل .
وليس مصالح دول وشعوب هذا الشرق أوسط لذلك نسمع ونقرأ بين الحين والآخر عن مشاريع سياسية واقتصادية تقدم من الإدارة الأميركية كوصفات لعلاج أمراض ومشكلات الشرق الأوسط مغلفة بمبادئ إنسانية عامة مثل حقوق الإنسان والديمقراطية ومحاربة أسلحة الدمار الشامل إلخ.
فمرة نسمع عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، ومرة أخري الشرق الأوسط الجديد، ولا نعرف ماذا سنسمع عن هذا الشرق الأوسط في المستقبل فما هي دوافع تلك التوجهات، ولماذا تطرح، ومن المستفيد منها؟
تقول بعض الكتابات الهندية بأن مصطلح الشرق الأوسط جاء من الإمبريالية العالمية ليلغي مصطلح منطقة غرب الهند أو غرب المحيط الهندي، ويقول بعض القوميين العرب بأن مصطلح الشرق الأوسط جاء ليلغي مصطلح الوطن العربي أو العالم العربي، ولتصبح قضية الشرق الأوسط بدلا من قضية فلسطين إلخ. لكن مهما كانت الأغراض وراء الإصرار على هذا المصطلح المهم ما هو المفهوم الحقيقي واستخداماته لدى القوى المؤثرة في سياسات هذه المنطقة؟.
لقد تردد هذا المصطلح كثيرا خلال الحقبة الناصرية في الخمسينات والستينات من القرن العشرين، وجاءت خطة برفيسور أود الاستاذ في الجامعة العبرية في إسرائيل وترجمها إلى اللغة الانجليزية داعية السلام الإسرائيلي «إسرائيل شاهاك» في بداية الثمانينات من القرن العشرين لتتضمن تقسيم معظم الدول العربية الرئيسية على أساس عرقي وطائفي.
ثم في بداية التسعينيات يطرح بيريز خطته الإسرائيلي بالسوق الشرق أوسطية بمشاركة إسرائيل، بعدها يأتي إعلان برشلونة الذي نتج عن المؤتمر الأرور ـ متوسطي في نوفمبر 1995 الذي كانت توجهه الولايات المتحدة الأميركية من وراء الستار ليركز على حقوق الإنسان والديمقراطية، وحقوق ومصالح الجميع دون تميز، وتحقيق الديمقراطية في دول الشرق الأوسط.
وقد حضرت ذلك المؤتمر خمسة وعشرين دولة من بينها عدد من الدول العربية، وتوالت بعد ذلك مشاريع الإصلاح في صنعاء والاسكندرية وغيرهما، وانشغل بعض كتابنا وصحافتنا بكفرة: هل الإصلاح يأتي بفرض من الخارج أم بحاجة ورغبة جماهيرية من الداخل؟ وكأنها مسألة خلافية كقضايانا الأخرى.
صحيح أن معظم الإصلاحات في منطقتنا جاءت بفعل مؤثرات الخارج منذ الحملة الفرنسية على مصر في نهاية القرن الثامن عشر إلا أن ما يطرح اليوم من مشاريع شرق أوسطية يحمل مضامين خطيرة رأينا نتائجها في فلسطين ولبنان والعراق وغيرها المهم بعد هذا نود التوقف عند المشروع الجديد القديم الذي طرح مؤخرا أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان «الشرق الأوسط الجديد»!
في خضم الحرب الإسرائيلية الظالمة على لبنان في صيف 2006 والحرب على الإرهاب والصراع الطائفي تحت الاحتلال الأميركي في العراق، وتهديد إيران بسبب برنامجها النووي تطرح الخارجية الأميركية مشروع الشرق الأوسط الجديد! ويغلفونه بأفكار تدعو لتطبيق الديمقراطية والإصلاح وحقوق المرأة وحقوق الإنسان، لكن حقيقة الأمر أن هذا المشروع له أهدافا سياسية واقتصادية أميركية إسرائيلية يتجه نحو التقسيم الطائفي والعرقي في عدد من الدول العربية بداية في العراق.
وتنفيذ هذا المشروع يتخذ أشكالا مختلفة بالفرض أو بالإيحاء للقوى والأنظمة القائمة بأن ذلك يحفظ لها كياناتها السياسية ويدرا عنها الأخطار التي تتعرض لها، ويمكن ان تتعرض لها، ولم تدرك تلك السياسات بأن الوعي لدى النخبة المثقفة في هذه المنطقة بإمكانه اكتشاف أهداف تلك المشاريع وقراءة ما وراء السطور ليس كما كانت الحال في السابق عندما تساوم الأنظمة على توقيع معاهدات مقابل حماية كياناتها.
فاليوم أدركت معظم هذه الأنظمة أن الإصلاح يجب ان يبدأ من الداخل وإن حماية كياناتها في الأساس تأتي من شعوبها بيد أن ذلك كله يتوقف على مدى قدرتها على التكيف والاستجابة لمطالب شعوبها في التنمية والديمقراطية بالإصلاح السياسي والمشاركة السياسية الحقيقية.
ولم يعد طرح مشروع الشرق الأوسط الجديد جديدا، ولم ينته طرحه ما دامت للولايات المتحدة وإسرائيل مصلحة في مثل هذه المشاريع، المهم هل لدينا الوعي لإدارك أبعاد هذه المشاريع ومضامينها؟ عندها تكشف ومن ثم تواجه بالبديل الذي يحفظ لهذه الدول والشعوب سيادتها وارداتها واستقلاليتها.
إن على قيادات الدول العربية ومؤسسات المجتمع المدني والمثقفين فيها مسؤولية تاريخية في التنوير، واتخاذ خطوات إصلاحية حقيقية في الداخل ولتكن بيدي لا بيد عمرو لتحقيق مشروع النهضة على المستوى القطري أو على المستوى الاقليمي ولدى دول المنطقة الإمكانيات والمقومات لتحقيق ذلك فهل ستفعل؟
كاتب كويتي