عندما يَكثر الحديث الأوروبي عن عملية السلام وضرورات النهوض بها مجدداً، كما هي حال التصريحات والندوات واللقاءات السياسية التي يتمخض عنها هذا الكلام.. يتساءل المرء: أين الدور الأوروبي ولماذا هو مُغيّب على هذا النحو غير المقنع، بالنظر إلى حجم وثقل أوروبا على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية بالاضافة الى العلاقات التاريخية بين الدول الأوروبية وبين الدول العربية التي تتشاطأ معها في موقع جغرافي متميز؟
السؤال مشروع، لأنه يفترض بأوروبا أن تعي ذاتها، وأين مصالحها الحقيقية، وأن تلعب دوراً متميزاً عن الدور الأميركي غير الموضوعي، إزاء قضايا المنطقة، وفي مقدمتها، الصراع العربي ـ الإسرائيلي واحتلال «إسرائيل» لأراضٍ عربية ورفضها الانصياع الى قرارات الشرعية الدولية، التي يعدها الأوروبيون مفتاح الحل، بل أساس هذا الحل، الذي يعيد التوازن إلى المنطقة ويحقق الأمن والسلام.
ثمة ترهل أوروبي غير مسوّغ، فالتصريحات التي تصدر هنا وهناك، وآخرها كان بالأمس في إعلان «اليكانتي»، لا تقترن بحراك سياسي حقيقي يتناسب مع ثقل أوروبا وإمكانات دورها الكبير، إن فُعّل هذا الدور، مع أن استقرار المنطقة، عامل مهم للشراكة الأوروبية مع دولها، وإذا كان هناك نوع من العلاقات الاقتصادية التبادلية، فإن هذه العلاقات لا ترتقي سياسيا إلى المستوى المطلوب، بل إنها في كثير من الحالات متراجعة لمصلحة الانفرادة الأميركية في شؤون المنطقة!.
وإذا كانت «إسرائيل» ترفض دوراً أوروبياً ولا تريد إلا الراعي الأميركي الذي يرعى للأسف مخططات صهيونية في المنطقة وليس عملية السلام، فإن «إسرائيل» جزء مصطنع في هذه البقعة الجغرافية المترامية، التي يطلقون عليها «الشرق الأوسط» وإن حوض المتوسط، هو عربي ـ أوروبي، منذ قدم التاريخ، وعلى هذا الأساس، فإن أوروبا أقرب الى فهم قضايا وتطلعات المنطقة، وانحسار الدور الأوروبي، يبدو غير مفهوم لشعوبها ودولها وخاصة سورية، التي دعت على الدوام إلى دور أوروبي فاعل ليس في عملية السلام فحسب، بل في مختلف أوجه التعاون التي يمكن أن ترتقي إلى الشراكة الحقيقية.
ولابد من الإشارة في هذا السياق إلى أنه طوال الفترة الماضية، والوفود الأوروبية تتقاطر إلى دمشق، وتلتقي المسؤولين السوريين، وكل هذه الوفود، تُجمع، تُراهن، وفق تعبير موراتينوس، على إحياء عملية السلام على جميع المسارات وتركز في الوقت نفسه على الدور السوري المهم في هذه العملية، وأن لا حل سلمياً لقضايا المنطقة دون سورية.
وسورية بدورها، أكدت لهذه الوفود أهمية الدور الأوروبي البنّاء، وتتساءل مع الجميع، لماذا هو مُغيّب؟.