تكتسب جولة المباحثات التي تجري حاليا بين الحكومة الانتقالية الصومالية والمحاكم الإسلامية في الخرطوم أهمية كبيرة لجهة التطورات الأمنية الخطيرة المتصاعدة في ذلك البلد الذي تمزقه الحرب الأهلية منذ مطلع تسعينات القرن الماضي.
لقد دخلت الأوضاع في الصومال خلال الأشهر الماضية منعطفا جديدا ربما يغير شكل ومجرى الصراع بصورة جذرية وذلك بسبب نذر تدويل الحرب مع دخول أطراف خارجية في ميدان الصراع. وفي حال عدم تدارك هذا المنحى الخطير ستنفجر الأوضاع في منطقة القرن الإفريقي برمتها والمضطربة أصلا.
فالمحاكم الإسلامية تتهم إثيوبيا بدعم الحكومة الانتقالية بالعتاد والمقاتلين ومن ثم سارعت إلى إعلان التعبئة العامة بين صفوف أنصارها للجهاد ضد ما أسمته بـ "الغزو الخارجي". وفي الوقت نفسه تتهم الحكومة الانتقالية إريتريا بإرسال شحنات الأسلحة وبصورة منتظمة إلى المحاكم الإسلامية، ما استدعى الأمم المتحدة إلى توجيه إنذار رسمي لحكومة أسمرا بالتوقف عن هذه الخروقات الخطيرة والامتثال لحظر السلاح الدولي المفروض على الصومال.
إن اتخاذ إثيوبيا وإريتريا أرض الصومال ساحة لتصفية حساباتهما لا يمثل فقط انتهاكا لقرارات الأمم المتحدة ونداءات المجتمع الدولي بشأن هذه المعضلة الأمنية، وإنما يضع "الحصان أمام العربة" لتفجير الوضع المتدهور أصلا، والذي سيدفع ثمنه الشعب الصومالي الذي ظل يعاني على مدى عقد من الزمن من ترد مريع في كافة أوجه الحياة الإنسانية والمعيشية والأمنية بسبب غياب مؤسسات الدولة المركزية.
إن المطلوب من الجهات الرسمية الراعية لجولة مباحثات الخرطوم وهي بالأساس جامعة الدول العربية وهيئة "الإيقاد" الإفريقية التركيز بصورة جوهرية على إعادة بناء الثقة بين طرفي النزاع. وكذلك التأكيد على عزل الدول المجاورة للصومال من التدخل في شأنها المحلي وعدم إذكاء نار الحرب خدمة لأجندة خاصة. إن النجاح في تنقية الأجواء بين الفرقاء في الصومال سيؤدي للتوصل إلى مقدمات مشجعة ربما تفضي لشكل من التوافق السياسي يقود بدوره إلى إعادة بناء الدولة من جديد لاسيما وأن الحكومة الانتقالية والمحاكم الإسلامية هما أكبر لاعبين في الساحة الصومالية.