اندهش الكثيرون لقرار اللجنة النرويجية لجائزة نوبل التي منحت جائزة السلام لهذا العام مناصفة إلى كل من بروفسير الاقتصاد البنغالى محمد يونس وبنك جرامين الذى أسسه يونس في بنغلاديش في عام 1976م، وذلك من بين أكثر من 190 مرشحا للجائزة من أنحاء العالم.

وسبب الدهشة أن الجائزة مخصصة للشخصيات أو المنظمات التي تسهم بدور كبير في منع النزاعات المسلحة، وانجاز يونس والبنك الذي أسسه كان في مجال الاقتصاد في حين توقع المراقبون أن تذهب جائزة السلام إلى رئيسة حكومة فنلندا السابقة مارتى اهتسارى التي توسطت فى العام الماضي لعقد اتفاقية سلام بين الحكومة الأندونيسية وثوار جزيرة أتشيه. ولكن اللجنة النرويجية قررت برؤية صائبة أن تمنح الجائزة ليونس وبنك جرامين اعترافا بجهودهما لإحداث تنمية اقتصادية واجتماعية واسعة من أسفل.

قال رئيس اللجنة شارحا أسباب القرار: السلام الدائم لا يمكن تحقيقه ما لم تتمكن قطاعات كبيرة من المجتمع من كسر حاجز الفقر، وقد برهن محمد يونس على أنه قائد فذ استطاع أن يترجم رؤيته الإنسانية إلى عمل تطبيقى لمنفعة ملايين الناس ليس فقط في بنغلاديش ولكن في عدة بلاد أخرى، استطاع يونس أن يطور نظام القروض الصغيرة عن طريق بنك جرامين إلى مؤسسة هامة وفاعلة في مكافحة الفقر.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تدهش فيها اللجنة النرويجية المراقبين بالخروج على النص، فقد منحت عام 2004م السيدة الكينية ونقارى ماتاى جائزة السلام لمجهودها في محاربة الجفاف والتصحر بزراعة الأشجار وعملها في مجال حقوق الإنسان. وأحسب أن اللجنة النرويجية أحدثت لفتة بارعة ومشجعة أن تمنح جائزة السلام لمن ساهم في مكافحة الفقر بصورة فاعلة وواسعة النطاق إلى درجة أصبحت الوسيلة التي اتبعها محمد يونس نموذجا يقتدى في كثير من بلاد العالم، وجميل أن تأتى تلك اللفتة من قلب العالم الرأسمالي الذي عرف بالانحياز إلى طبقة الأثرياء والشركات المتعددة الجنسيات. وأحسب أن لجنة نوبل التي تمنح جوائزها القيمة في مجالات الفيزياء والكيمياء والطب والآداب والاقتصاد والسلام زانت سمعتها أكثر بهذه الجائزة التي قدمتها لمجهودات مكافحة الفقر.

أما شخصية البروفسير محمد يونس الذي نال الجائزة المذكورة فقد حصل على درجة الدكتوراه من جامعة فاندربت بالولايات المتحدة في النصف الثانى من الستينات بمنحة من مؤسسة فلبرايت المشهورة، ودرّس لبضع سنوات في إحدى الجامعات الأميركية عاد بعدها إلى وطنه بنغلاديش ليدرس الاقتصاد في جامعة جاتقونق الساحلية. بدأ يونس تجربته الرائدة في عام 74 حين منح عاملا فقيرا يصنع الكراسى فى قارعة الطريق من خيزران البامبو مبلغا من المال لا يزيد على 27 دولارا، واستطاع العامل أن يرد القرض إلى صاحبه ويحسن عمله في صناعة الكراسي ويرفع من وضعه الاقتصادي. كانت تلك بداية الفكرة التي أدت إلى تأسيس بنك جرامين (كلمة جرامين تعنى بالبنغالية الريف، أي بنك الريف ولكن سار عليه اسم بنك الفقراء) في عام 1976م.

قالت صحيفة «الصين اليوم»: إن الفائز بجائزة نوبل للسلام غيّر كثيرا من حياة الناس في بنغلاديش بفكرة التمويل الصغير التي بدأها في قريته قبل ثلاثين سنة، وأوردت الصحيفة قصة المرأة البنغالية «بانيسا» التي تحولت من طبقة أفقر الفقراء إلى سيدة محترمة تعتمد على نفسها بعد قرض 30 دولارا فقط أخذتها من أقرب فرع لبنك جرامين، وبعد 10 سنوات من ذلك القرض أصبحت بانيسا تمتلك 27 رقشة ومزرعة دواجن بها حوالى 3000 فرخة. ووعد يونس بأن يتبرع بنصيبه من جائزة نوبل، التي تبلغ حوالي مليون ونصف دولار، لإنتاج الطعام الرخيص للفقراء.

ومن المفيد أن نعلم أن بنك جرامين أقرض في السنوات الماضية أكثر من ستة مليارات دولار لأكثر من ستة ملايين شخص غير مؤهلين للاقتراض من البنوك التقليدية، تتراوح قيمة القرض من خمسين إلى مئة دولار دون أدنى ضمان، وانه يقدم خدماته في حوالي 70 ألف قرية، وتبلغ نسبة النساء 97% من المقترضين. ولا ينتظر البنك دائما الفقراء حتى يأتونه بل يسعى إليهم في مواقعهم ويقدم القرض المناسب لهم، والذي عادة ما يشكل السلع والخدمات الأساسية في المجتمع الذي يعيشون فيه.

والمدهش أن نسبة السداد للقروض تبلغ 99% وهى نسبة لا تتوفر لمعظم البنوك التي تتعامل مع الأغنياء رغم الضمانات الكافية التي تؤخذ منهم. وقد دلت تجربة السودان على نتيجة مماثلة في حسن السداد من صغار المتعاملين مع البنوك، مثل بنك الحرفيين الذي أقامه بنك فيصل الإسلامي فى أم درمان والبنك الإسلامي السوداني في قروضه لمزارعي الريف حول الخرطوم. وامتدت التجربة إلى كثير من الهيئات التي تعمل في مجال «الأسر المنتجة»، ولكن لا أظنها بلغت درجة النجاح التي تروى عن بنك جرامين.

وأتمنى أن يرسل بنك الادخار الذي يرتبط بديوان الزكاة فريقا من موظفيه لدراسة تجربة بنك جرامين والاستفادة منها. واستحلف كل العاملين فى مجال الأسر المنتجة أن يتوقفوا تماما عن شراء الرقشات والكاروهات لإعانة الأسر الفقيرة فقد فاضت شوارع الخرطوم بهذه الآليات حتى أصبحت عبئا ثقيلا على انسياب الحركة في أكبر شوارع الخرطوم!

وكلمة أخرى فإني مدين بالاعتذار للفريق عبد الرحمن سعيد عن المقال الذي كتبته تعليقا على الحديث الذي أوردته جريدة السوداني ونسبته له، فقد اقتنعت بما كتبه الدكتور مختار الأصم في جريدة الصحافة (16/10) أن المادة المنشورة في السوداني لا تطابق الشريط المسجل لحديث الفريق عبد الرحمن والذي استمع إليه الأصم كاملا. فلسيادة الفريق عبد الرحمن العتبى حتى يرضى!

وأعتذر للقراء أنى سأتوقف لبعض الوقت عن الكتابة الصحفية لانشغالي بالإعداد لاجتماعات الجمعية العمومية لمجلس التعايش الديني التي تنعقد منتصف نوفمبر المقبل إن شاء الله.

كاتب سوداني